أصيبت سيدة بحمى شديدة، استدعت نقلها إلى مركز الشيخ زايد، لتلقي العلاج..
لاله، هي امرأة في الأربعينيات من العمر، أم لطفلين، وبنت وحيدة، وأخت ليست الكبرى لثلاثة رجال وأربع نسوة، لكن بيتها هو مأوى الجميع، بعد وفاة والديها، رغم تواضع خالتها المادية، خصوصا بعد أن أقعد المرض زوجها عن العمل منذ سنوات…
تعمل لاله في بيع الملابس المستعملة، وربما تضطر أحيانا لبيع بعض الملاحف المستعملة في سوق"التبتيات "، فمصاريف المنزل تزداد، وابنتها على وشك الزواج، فقد خطبت لابن عم لها قبل أشهر، وقد يحدد موعد الزواج قريبا..
في اليوم الحزين، ذهبت لاله -كعادتها-إلى التبتبات، ثم عادت مساء، بعد أن باعت القليل..شعرت بالبرد الشديد، رغم أن الطقس لم يكن بذلك المستوى من البرودة، لكن ابنتها مليكه لاحظت ارتفاع حرارتها فبادرت بالاتصال على خالها، الوحيد الذي لديه سيارة في العائلة، وهي سيارة أجرة، ولذلك أخفت الاتصال عن والدتها حتى لا تتعفف عن ذلك..
بعد وصول لاله إلى مستشفى الشيخ زايد، الذي كان الأقرب إلى سكن العائلة، دخلت مصلحة الحالات المستعجلة، نظر إليها الطبيب المداوم برهة ثم بادر بكتابة وصفة طبية طالبا من محمد إحضارها، ليذهب الأخير إلى الصيدلية وبسرعة يحضر الوصفة، التي لم تكن سوى مصل يعلق في وريد لاله ، على أن تنخفض حرارة جسدها بعد ساعة بتأكيد من الطبيب..
مرت الساعة والساعتان، ولم تنخفض حرارة لاله، بل ولاحظت الممرضة التي علقت المصل أن جسد لاله بدأ يعطي ردة فعل غريبة، تورم، واحمرار في الوجه، وخصوصا في منطقة العينين..
بعد وقت غير كثير وبعد تشاور مع زميلتها أكدت الأخيرة الممرضة "ع" أنه لا بد من قطع غفوة الطبيب وإبلاغه بالحالة ليتدخل..قام الأخير على مضض، وأخذ يحاول فتح عيني لاله، لكن تورّمهما رفض السماح بذلك…
خرج الطبيب إلى محمد، الذي التحقت به اثنتان من أخواته وواحد من اخوته، حيث جلسوا خارج سور المستشفى ينتظرون خبرا عن لاله، إذ لايسمح بدخول أحد مع المريض هناك..
ولم يقطع ابتهالات الإخوة ، ومحاولة محمد طمأنتهم سوى ذلك الصوت الجهوري الذي ينادي، أين أهل لاله؟؟، ليهب الجميع وقد اختلطت في قلوبهم الفرحة بالقلق، وبعد هرولة محمد سريعا أخبرته الممرضة أن الطبيب أمر بنقل المريضة على وجه السرعة إلى العناية المركزة، فيبدو أنها تعاني من ما لم يخبروه به..أخذ محمد يقسم ويوكّد والله مابها سوى حمى، ولم تشك أكثر من ذلك..نقلت لاله إلى العناية المركزة وأمضت فيها أياما لاتعرف شيئا عن نور الدنيا بين نوم لساعات وعدم قدرة على فتح عينيها..
لم تطمئن العائلة للوضع، فقررت نقل لاله إلى مصحة خاصة، مهما كان، فباعوا بعضا من الماعز الذي ورثوه عن الأبوين في البادية، وضموا الثمن إلى بعض المساعدات التي قبلوها على استحياء من بعض الاقارب..
الأطباء في المصحة وبعد إجراء المزيد من الفحوص والتحاليل أكدوا أن السبب هو خطأ في الدواء، ثم نصحوا العائلة بنقل لاله إلى مركز الاستطباب الوطني، حيث أن تكاليف العلاج هناك قد تكون أقل، كما أن هناك بعثة طبية أجنبية قد تتمكن من علاج حالة لاله وتخفيف المضاعفات التي حصلت.. وهناك، استطاع الأطباء علاج التورم، غير أنهم فوجئوا بأن عيني لاله لم تعد تبصر جيدا..
استعادت لاله كامل وعيها، ولم تستعد بصرها كما السابق، فقررت عائلتها رفعها خارج البلاد مستعينين بالمبلغ الذي جمعته القبيلة لذلك.. فذهبوا بها إلى داكار، ثم إلى تونس، وكانت النتيجة في كل مرة"للأسف تضررت القرنيتان، ولابد من زرع أخريين"..لكن ضيق ذات اليد وارتفاع التكاليف دفع لاله إلى الاستسلام والعودة إلى الوطن ، بعد أن فقدت أملها إلا من الله، كما فقدت بصرها نتيجة خطأ طبي، ووصفة غير دقيقة، تنتظر لاله في زاوية من منزلها المؤجر المتواضع ، رحمات الله وقدرته على أن يعيد لها بصرها ..شفاها الله.
#موقع_تحديث


