"لم أسمع ولم أتابع يوما حديثا للإعلام السنغالي ولا تعليقا للساسة في السنغال ولا انشغال محلل سياسي فيها بتحليل أو تقييم أو تصويب أو تخطيء طرف سياسي موريتاني موال أو معارض، ولم أطلع على تحليل ولا رأي في أزمة المرجعية وسجن الرئيس السابق، كما لم أسمع أو أقرأ عن انشغال أو إشفاق أو احتفاء من الساسة أو الإعلاميين السنغاليين بأي من تطورات الشأن السياسي في بلادنا، ناهيك عن وجود اهتمام يوازي أو يقترب من مستوى اهتمام بعض ساستنا ومدونينا بأخبار التطورات السياسية الداخلية في السنغال.
فما هو السبب في ذلك؟
فكرت أن الأمر قد يعود إلى انبهار بالسنغال واعتبارها متقدمة علينا وقدوة لنا، لكنني فوجئت بأن أغلب المنشغلين بالتعليق على التطورات في السنغال ممن يقللون عادة من شأن هذا البلد، وويهاجمون سياساته كدولة، ويكادون يحتقرون شعبه، وبعضهم لا يخفي التشفي فيما يحصل.
ماهو، إذن، سبب هذا الفضول الذي يدفعنا لهذا المستوى من الانشغال بكل ما في البلدان الأخرى، كما لو كنا ملزمين بالتعليق على جميع الاحداث في العالم؟!
هل هو ضعف في الوعي السياسي يجعلنا قابلين للانشغال عن أولوياتنا المتمثلة بالهم الوطني بكل حدث يستجد من حولنا حتى لو لم يكن له بعد عام أو تأثير معتبر على بلدنا؟
أم أن السبب هو أن منبع التكوين السياسي في البلد هو الحركات السياسية اليسارية والقومية والإسلامية، وهذه الحركات جميعا ذات اهتمامات إقليمية أو حتى أممية، يعتبر منتسبوها أنهم معنيون بكل ما يحدث من حولهم حتى لو لم تكن له صلة مباشرة ببلدانهم؟
حتى إذا نظرنا من هذه الزاوية يبقى الأمر غريبا ومبالغا فيه. فلا شك أن اهتمام إسلاميي موريتانيا بالأوضاع في مصر وتونس والمغرب يتجاوز كثيرا مستوى اهتمام إسلاميي تلك البلدان بالأوضاع في بلدنا.
الأمر نفسه ينطبق على اليسار، فما الذي يفسر درجة احتفاء اليساري عندنا بفوز اليسار في فنزويلا مثلا، في حين أن القوى اليسارية في فنزويلا لا تعلم على الأرجح بوجود موريتانيا أحرى أن تهتم بأحوال قوى اليسار فيها؟
لماذا يتخذ القوميون موقفا عدائيا من قوى سياسية في سوريا أو العراق لا لشيء إلا لأنها قررت معارضة نظام قومي هناك؟ نظام لا يهتم ولا يمكن أن يهتم بقوميي موريتانيا.
هل هي عقدة نقص أم هي محاولة للتعويض النفسي عن قصور الفعل السياسي الوطني بتوهم الارتباط مع فعل صنعه آخرون في بلدانهم دون أن يستشيرونا فيما يفعلون أو حتى يهتموا بما نكتب هنا على هوامش معاركهم ؟
باختصار، لماذا يركز الناس جهودهم السياسية على الأوضاع في بلدانهم، بينما ننشغل نحن باتخاذ مواقف من الأوضاع السياسية في بلدان أخرى؟
صحيح أنه توجد قضايا كبرى ذات أبعاد أخلاقية وسياسية تعني الجميع، وأن العالم يزداد ترابطا وتشابكا في المصالح والمفاسد، لكن هذه الحقيقة لا تبرر كل هذا الفضول والتدفق في المواقف في الآراء الذي سبق أن أوصلنا هذا الفضول لأزمة مع مالي وأخشى أن يوصلنا لأزمة جديدة مع السنغال.
لا يعنينا خلاف سونكو وافاي، كما لا يعني السينغاليين خلاف عزيز وغزواني، وجميل وتواصل وكاديتا وUFP، ومحمد العربي وحزب الصواب والعيد محمدن وتكتل القوى الديمقراطية .
السلطة عندنا ليست معنية باتخاذ موقف من صراع سياسي داخلي في بلد مجاور شقيق، وانكدو نحن - سياسيين وإعلاميين وغير مصنفين - نصيبو الراحه.
بردو اعلينا إسلمكم.
لا أنكر أني ممن يعانون من هذا الداء، وأني أنشغل أحيانآ بهذه الأزمات وأعلق علينا، لكن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل. والحق يقال: هذا عاد ياسر!"
الهيبة الشيخ سيداتي


