حكاية ،،شَوْرْ،، قديم غناه معظم الفنانين في موريتانيا

ومن منا لم يسمع ديمي وهي تردد: «لال الفوكو الفوكو سالكنا ج من مدبوكو»؟

غنّتها ديمي في أيامها الأولى، وغنّتها أميرة الشرق علية في أعز شبابها، كما غنّتها النانة وعندليب الشرق محمد محمود ولد أميليد أكليهيد، وظلت تتردد على الألسن جيلاً بعد جيل.

تعود بداية هذا الشور إلى عامي 1997 و1998، حين كان سالكنا، الذي يظهر في الصورة أطال الله عمره، يمارس مهنة النقل بين دقفك، وعين فربة، والطويل، وسوق مدبوكو.

وتقول الحكاية إن بنات أهل أسويد، بمنطقة البيظ التابعة لمقاطعة الطويل، كنّ أول من ردّد هذا الشور، ذات ليلة شتوية خالدة.

كانت النساء قد اجتمعن تحت خيمة في أحد مجالس الشنّة، يتسامرن في هدوء الليل، فإذا بضوء سيارة يظهر من خلف الرمال. كان ذلك ضوء سيارة سالكنا العائد من مدبوكو.

وما إن رأين الضوء حتى بدأن يرددن:

«لال الفوكو سالكنا ج من مدبوكو…»

ومن تلك اللحظة، خرج الشور من خيمة صغيرة في صحراء البيظ، ليبدأ رحلة أخرى أطول من رحلة صاحبه؛ رحلةً عبر الأصوات والذاكرة والأجيال.

كبر سالكنا، وغادر الديار إلى ساحل العاج، ثم انتقل إلى غينيا بيساو، قبل أن يعود إلى أرض الوطن مستثمرًا في مجال آخر، بعيدًا كل البعد عن مهنة النقل التي ارتبط بها اسمه في تلك السنوات.

أما الشور، فقد كتب الله له عمرًا أطول من عمر اللحظة التي وُلد فيها؛ ظل حيًا في الحناجر، تنتقل كلماته من جيل إلى جيل، حتى غنّته أصوات كبيرة وأصبح جزءًا من الذاكرة الموسيقية الشعبية.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن الشور، من حيث لا يدري صاحبه، أصبح شاهدًا على تقلبات الزمن.

سالكنا الذي كان ضوء سيارته يظهر ليلًا من خلف الرمال، فيعرفه أهل الخيام قبل أن يصل، أصبح اليوم حكايةً تُروى.

والأماكن تغيّرت، والوجوه تغيّرت، والطرق تغيّرت، ومهنة النقل نفسها أصبحت من ذكريات زمن آخر… لكن تلك الكلمات بقيت.

هكذا تفعل الأيام بنا؛ تمنحنا لحظة عابرة، ثم تمضي، قبل أن تعود بعد عقود لتخبرنا أن لا شيء يبقى على حاله.

«لال الفوكو الفوكو سالكنا ج من مدبوكو»

لم يعد مجرد شور…

إنه قطعة من ذاكرة مكان، وشاهد على زمن، وموعظة هادئة عن تقلبات الدنيا وطاحونة القدر التي لا تُبقي ولا تذر.

من صفحة المدون محمد خون