كيف تعيش هذه الأسرة في صحراء قاحلة تبعد مئات الكيلو مترات عن المدن؟(صور)

جمهورية "السبط"..

تنبي سايس ـ شمال شرق موريتانياـ محمد ناجي ولد أحمدو

هنا في "تنبي سايس"، 75 كيلومترا الى الجنوب الغربي من لمغيطي.. حيث لا غطاء الا السماء، ولا فراش الا الغبراء.. يعيشون  منذ 1985.

أسرة صحراوية تتكون من أب وأم وثلاث بنات يسكنون بيتا من "السبط"، وهو عشب يابس درج سكان المنطفة الصحراوية على  تشييد مساكن منه، تقيهم فصول السنة القاسية في فضاء لا حائل فيه يحول بين الطبيعة والإنسان.

 أدوات بدائية ووسائل عيش تعتمد ماء البئر ومواد غذائية تأتي من الجوار البعيد،  لم يعرف اللقاح ولا الدواء طريقا إلى  سكان هذه المنطقة بحسب ما يقول الإدلاء.

 الأب مولاي ولد الفاظل هو الرئيس، أما الحكومة فأم وأطفال.. اما جيش الدفاع فهم جنود موريتانيون في تخوم الصحراء يبحثون عن العدو  الذي يتخفى في هيئة تاجر أو عابر أو بدوي يبحث عن الماء والمرعى في الصحراء.

 يبرم  الجنود المدججون بالسلاح اتفاقيات غير مكتوبة مع سكان جمهوريات الفلاة،  تمكنهم من تبادل المعلومات فبقدر ما قدمت "حكومة السبط" من معلومات حول عابري المنطقة المفتوحة بقدرما نالوا حماية ومساعدة الجنود الموريتانيين الذين يجوبون المنطقة طولا وعرضا.

 حاصرت الكاميرات والميكرفونات فاطمة بنت الدين ، وتساءل الصحافيون "كيف تعيشون هنا"، اكتفت السيدة التي ربما تخطو في منتصف عقدها الرابع بالقول "نعيش حياة طبيعية هنا".

كان النقيب سيدي محمد ولد حديد يستبسل مترجما تساؤلات مراسلة إذاعة فرنسا الدولية، وموفدة قناة فرانس 24، لورا مارتل، التي تطرحها على فاطمة..

دخلت السيدة في نوبة تفكير وهي تبحث عن إجابة على سؤال : كم عمرك؟، قبل أن تجيب ببساطة شديدة: "والله ماني عارفه". 

 ما زال علم الحساب بعيدا من السكان في تلك البلاد، فالصحراء بهدوئها وطول أفقها تساعد على الخمول إلا في ساعات الرحيل والانتجاع، فلا عبرة بالوقت في مساحة مفتوحة على كل شيء.

خوف ووجوم استبدا بالصغيرات اللواتي ولدن هنا من دون قابلة ومن دون طبيب..  كل شيء طبيعي حتى الطعام والدواء..  لا أثر للمواد المصنعة إلا ما تحمله سيارات الجيش من قوارير مياه معدنية وكاتوهات قدمت هدايا للصغيرات.

عند رؤية السيارات العسكرية التي تحمل رجالا امتشقوا الرشاشات، ترتعد فرائص الصغار رغم أنهن يلبسن ثياب المدينة،  الأم تلتحف  ملحفة من غاز (عينة من ملابس النساء الموريتانيات)، اما الأطفال فيلبسون على طريقة لبس اطفال المدارس في نواكشوط .. ترى من أين لكم هذا ؟. يتساءل احد المرافقين. 

تجوب المنطقة عصابات بيع المخدرات وتهريب المهاجرين السريين ومقاتلي القاعدة، وكذلك جيوش دول المثلث الحدودي.. لا شك ان جمهورية السبط تستفيد من تجارة القوافل تلك يعلق أحدهم ، الرجال المدججون بالسلاح يعيدون السكينة الى الفتيات، ليعدن إلى حالتهن الطبيعية بعد أن وثقن أن الرجال لا يأكلون الصغيرات.

طلب مولاي ولد الفاظل من الرائد سيدي أحمد ولد الشيخ قائد التجمع الخاص الثاني الذي تتبع له المنطقة أن يزودهم بخيمة.

الجيش هنا لا يقوم بمهام الحماية ومراقبة التراب الوطني فقط، بل إن أجندة اجتماعية وخدمية تعهد اليه هنا، "نقوم بإخلاءات طبية لصالح السكان، وفي كثير من الاحيان نتطوع بتدريس أبناء المنطقة في ظل غياب التغطية التعليمية" يعلق النقيب حديد.

في البيت المبني من نبات السبط هيأت الأسرة صالونا متواضعا لاستقبال الضيوف.. يخدم لديهم أربعة رجال في سقي الإبل ورعيها. 

على بعد حوالي خمسمائة متر من منزل الاسرة، يوجد بئر "تنبي سايس"، الذي ترتفع فيه نسبة الملوحة، يستخدمونه فقط لسقي الحيوانات وغسيل الثياب، أما الشراب والطبخ فتلك مهمة توكل الى "البئر البارد" على بعد حوالي خمسة وثلاثين كيلومترا من المكان.

لم يصدم الزملاء الأروبيون الذين رافقونا في الرحلة وحدهم، بوجود هذه الأسرة في عمق الصحراء، في منطقة تعتبر من أشد المناطق وعورة، ومن أخطرها من الناحية الأمنية، بل إن نفس الشعور غازلنا جميعا.

 عناصر الجيش الموريتاني تؤكد أن لا مجال لاي خرق للأمن هنا، فالحدود مراقبة بما فيه الكفاية، والوضع تحت السيطرة الكلية.

ويواجه الجيش الموريتاني في هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة تهديدات متنوعة؛ فمنذ صيف سنة 2005 أصبحت ثكنات الجيش في الشمال والقوات التي تتحرك في المنطقة هدفا للجهاديين السلفيين الذين يتحركون في شكل زمر صغيرة تحاول نصب كمائن أو القيام بهجمات مباغتة لحصد أكبر عدد من القتلى في صفوف العسكريين الموريتانيين؛ بعد أن أفتى فقهاء السلفية التكفيرية بجواز ذبح الجنود الذي يأتمرون بأوامر من درج جناح القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على تسميتهم بـ"طواغيت نواكشوط"، يضاف إلى الخطر الإرهابي أنشطة عصابات التهريب وتجارة المخدرات المتحالفة مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتي تم تضييق الخناق عليها منذ وصول الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز الى السلطة قبل حوالي سنتين.

المنطقة هنا تتبع للتجمع الخاص الثاني، الذي يتخذ من قاعدة "لمغيطي" مقرا له، وهو يتألف من عناصر مدربين على جلاد الصحراء، "منذ تموقع الجيش هنا قبل ثلاث سنوات، نسيطر على المنطقة كليا" يقول الرائد سيدي أحمد ولد الشيخ قائد التجمع.

يونيو 2010

من صفحة المدون/ محمد ناجي