"كتبت مؤخراً أسطراً على صفحتي في الفيسبوك حول حدثين أو موضوعين من حياة عشتها بتعقيداتها وتنوعها وثرائها وعمقها وتعقد إشكالاتها. حياة واكبت فيها رجالاً قلّ وجود نظراء لهم في هذه المرحلة من تاريخ الأمتين العربية والإفريقية: منهم مفكرون من طراز نادر، يذكّروننا بالمهاتما غاندي ونيلسون مانديلا، ومنهم مثقفون وكتّاب وأدباء وشعراء مبدعون، يذكّروننا بأحمد شوقي وحافظ إبراهيم والجواهري ونزار قباني وتولستوي وفيكتور هيغو، وثوريون مناضلون، وقادة من طراز جمال عبد الناصر وميشيل عفلق وماو تسي تونغ وتشي غيفارا وكوامي نكروما وباتريس لومومبا، وإنسانيون من طراز ألبير كامو وجان بول سارتر.
لقد عشت حقبة من تاريخي مع صفوة من خيرة مواطني وشباب هذا البلد، الذي لا يكاد المرء اليوم يدرك أنه كان هناك فيه من بذلوا من الجهد ومن الغالي والنفيس في سبيل إخراج إنسانهم من القمقم الذي يستقر في قاعه!!!
ولقد كانت هناك قصة طويلة ورحلة مضنية لي مع خيرة من أهل هذا البلد ممن كانوا معي في نفس التوجه ونفس الأسلوب، ومن كانوا يختلفون معي ولهم توجههم المخالف لتوجهي، وأحياناً المخاصم له بأشد صيغ المخالفة والمخاصمة. لكن الجميع كانوا في موريتانيا يجدّون ويجتهدون لجلب النفع لبلدهم ودفع الضرر عنه، يظهرون جميعاً الإخلاص للبلد ويبذلون الجهود لإخراجه إلى بر الأمان وحمايته وحفظه، سواء كان أولئك تقدميين أو قوميين عرباً أو زنوجاً أو كانوا من الاتجاه الإسلامي الذي كان ظهوره وانتشاره متأخراً قليلاً في أواخر السبعينيات.
ولقد حاولت بعد توقفي عن ممارسة السياسة بالأسلوب الذي كان متبعاً أن أتجنب تناول الحديث عما كان يجري وما كنت أراه سبباً، حسب رأيي وتقييمي، لما كان من إخفاق أو توقف عن السير في نفس المسار. لقد كنت أعتقد، ولا أزال، أن الكتابة عن الماضي في المجتمع الموريتاني تتسم بالحساسية والصعوبة؛ لأنها إما أن تكون صادقة واضحة صريحة، فإنها ستعرّض الكاتب لمحظورات في مجتمع مزاجي قبلي، يبحث الشخص فيه عما يدغدغ مشاعره ومشاعر أبناء عمومته وقبيلته أو شريحته أو قوميته، أو كان لا يهتم إلا بالحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، فإنه سيقع في مطبات ومتاهات لا نجاة منها. ولذلك فضّلت، رغم ما يلحق بي وبأبنائي وبالحقيقة من تزييف، أن أصمت إلا عن أمور بسيطة قليلة تجعل “التاديت لا تيبس والعجل لا يموت” !!!
لقد كانت هناك أمور يصعب عدم الكتابة حولها، مثل أسباب توقفي شخصياً عن الاستمرار في العمل. وكنت أعوّل على بعض الرفاق، وخصوصاً أكثر الرفاق خبرة وإلماماً بتفاصيل التفاصيل، المرحوم محمد يحظيه بن ابريد الليل. وقد حدثته في الموضوع قبل وفاته بأيام، وبحضور ابني أحمدي بن التراد، وقلت له إنني لا أهتم إلا بمسألتين أريد التحدث للناس حولهما:
الأولى: توقفي الشخصي عن العمل في الحزب وأسبابه وكيف جرى.
ثانياً: ما تم بيننا والرئيس معاوية، أنا ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل، قبل أن يستنتج معاوية أننا لم نكن صادقين معه، فقام وضربنا وحاول أن يشتت شملنا بإيهام البسطاء أن بعضنا يتعاون معه.
إني أعلم أن محمد يحظيه يثق في دفال ولد الشين ثقة تجعلني أتوقع أن يكون قد حدثه في الموضوع الذي جرى بيننا وبين معاوية، ولا أعلم هل حدّث فيه ممد ولد أحمد.
وإن الرفاق في اجتماع روما، ومنهم يحيى ولد عالي ودفال ولد الشين، حضروا مرافعتنا أنا ومحمد يحظيه التي قدمناها للقيادة القومية من أجل إقناعهم بضرورة حل التنظيم العسكري. وكان يجب أن يستنتج الرفاق أننا نحن الاثنين كنا متفقين على الموضوع قبل لقاء روما!!!
وإنني بحول الله سأعود لهذا الموضوع وأوضحه وأرتبه عندما أشعر بنسبة من الصحة، والله ولي التوفيق.
وقد تفاجأت بوفاة الرفيق بعد حديثنا هذا بأيام قلائل. وإنني اليوم، وأنا أعاني من مرض عضال، أحب أن أطلع الجميع على أنه ما دام الرئيس معاوية أطال الله عمره حياً، والرئيس محمد ولد عبد العزيز فكّ الله أسره حياً كذلك، ودداهي ولد عبد الله المدير السابق لأمن الدولة يعلم باجتماعنا نحن الاثنين مع معاوية، وإن مصداقية الحديث تتطلب أن يكون الشهود موجودين. أما في المسألة الأولى، خروجي من الحزب، فلديّ صعوبة في شرح حيثياتها، لغياب الكثير من الأدلة والمستمسكات وثقة الجماعة في قادتها التاريخيين محدودة، وسنبحث للمسألة عن مخرج وشكل مناسب بحول الله وقوته، إذا سمح الوقت والقوة.
التراد ولد سيدي"


