ذكريات معلم...
(النعمة عام (.200)
كنا ثلاثة من أولي العزم من المعلمين وقد آوينا الى باحة الادارة الجهوية باكرا نشمشم انفاس الربى بالنعمة في اجواء تشرين وسط نفوس مترعة بالخيبات ، يسكنها الإحباط من ادارة جهوية تقيم معرض نخاسة ، المعلم بضاعته والعملية التربوية دكانه ، وذوي النفوذ والمال والجاه زبانيته ، لم يسبق لنا أن تعارفنا لكننا التقينا توا على شاطئ الظلم و الإهانة ، لم يكن لنا ظهير أو وسيط فبقينا مخلفين وليس الحمد لله عن الجهاد إنما عن سوق (الوساطة) ، (لمرابط من لبراكنة- جاورا من كيدي ماغا- محمذن من اترارزة- ، دلفنا الى رئيس المصلحة وقال لنا ان المدير يطلب منكم الإنتظار امام الادارة الجهوية فقد تقرر بعد معركة طاحنة و فاصلة مع معلمين متمردين أن تكون قاعة الانتظار تحت الساطعة بأمر ربها...
خرجنا نفتعل الضحك ونسابق ظل المبنى ، نرقبه قدر توجسنا من مزاج المدير الجهوي ، صاح محمذن الى جارة الإدارة ، السلام عليكم ؟ ما اسمك ؟ قالت (ريحانه) ، قال: (ما أتكدي تعرين اماعين انتيو؟ أجابت : يبوي أمالي انت اهرك امنين جاي؟ هههه قلت أنا :يفتح ملان.(اعطتنا لماعين املانين امن السكر والشاي والنعناع).
بادلت خطى الى المخبزة واشتريت خبزا وشي من الفستق! (كرت) هههه.
(كرت هي شرط الكل/ عند الكراي ورواي/ وإلعادت كرت تكتل/ما تكتل بعد الكراي/.
ومع صفير الابريق الثاني وبينما كان محمذن يحكي طلعة زين للولي الصالح ول احمد يور قال انه يتبرك بها إذا المدير يدير المقود ويركن السيارة هههه ، وقال بصوت مرتفع انتوم هوم الكراي افلان وافلان وافلان قلت بلى! رد علي : (ذأهرو ابلد أتاي؟ ههههه انتوم ما جايبكم أتاي ! ذواماعين الادارة؟ ونادى للحارس! (ذوما عينكم اكبظوهم! قال الحارس : لا ماهم اماعين ؟هههه ونحن نضحك ، انه مشهد ادراماتيكي ومن قرأه من جيل الايباد والأنستجرام والفيس سيخيل اليه انه مقتطع من قصة خيال علمي ، بيد انها قصة واقعية نحن ابطالها والادارة والسياق الزمني والواقع بيئتها...
ارسل الينا البواب وجئنا وجلسنا وبدأ يتقمص شخصية المحاضر ونحن إذ ذاك ورغم تسطحنا إلا أننا ندرك أنه خاوي الوفاض من التربية ومن فقراء اللغة والعاملين على الثقافة وقد رمت به السياسة دون سابق انذار ، جال وصال في السذاجة وقال موعدكم غدا ! لم يكن نزلنا بالمدينة سوى ركن من عريش صاحبة مطعم طيبة ووئيدة وخلوقة ، كانت تطعمنا نهارا وبالليل تترك لنا العريش مفتوحا فقد كان يتوسط السوق وتغلقه بالليل!
بتنا نحاور النجوم ونقرأ كف الليل عله يعطينا تصورا عن القادم وفي الصباح يممنا صوب المعترك فوجدنا (البطرون) جالسا أمام مملكته محاطا بهالة من أهل البدو وبيده سيجارة ويتبادلون أطراف الحديث ، قال بالحسانية: (أصحابكم اراعيهم جاو) ، قال محمذن (والله ال أحمات) وطفق جاورا يتمتم ، (قلت لهما اتكايسو لا أتنيو اعلين مكصور لعمر هو كاع ني وحدو).
لقد نما داخلي شعور بالترصد و المؤامرة....كان الحديث عن ثلاثة قرى حدودية نائية وسط وادي غير ذي زرع وبها بدو رحل وكانوا في الأصل قرية واحدة لكنهم تنازعوا وانشقت عصاهم وانقسموا ثلاثا ، علم كل منا وجهته وتواعدنا مساء بسفح (البطحة)..
كانت الشمس مائلة للغروب تزاور بخجل عن المدينة لتسلمها للغسق وترى الكائنات تلملم شتاتها استعدادا لعتو الليل وظلامه وتطاوله ، ركبنا عجوزا فرنسية 504 مفتوحة ولم يكن أحد منا يسمع كلام الآخر ونقع الغبار يغطي الأفق! حل الظلام وبدأ الندم يتسلل الينا والوجل يغمرنا! وبعد اربع ساعات وصلنا (أمرج) للمبيت ، لم يكن بيننا فرق مع رؤساء القرى ، اننا سواسية في رفس الحياة ، كلنا باقون على قارعة الطريق مع اختلاف الاحداثيات ، كنا نرى شيئا منا في أحاديثهم ، انهم منسيون ، ناؤون ، مهمشون ، مختصمون ، ويحملون اسفارا من الضنا ونحن مثلهم ككرة يتعاورها المديرون والنافذون على ملعب قيل انه للتعليم لكنه بالنسبة لنا ميدان لشراء الوهم ولموظفي الوزارة انذاك ورشة لصناعة العلاقات...
انطلقت الخريبة صباحا تشق عباب الحوض الشرقي ، ما زلت احتفظ بصورة (المرجل والجلد) الذي يحمله رئيس القرية (...) وما زلت لم أنس علبة الطباشير الخضراء والمسطرة وعلبة الصباغة التي زودتني بها الإدارة وبين الجلد والمرجل والعلبة والمسطرة ثمة نشء طمرهم البين ينتظرون برقا يلوح عن جسر الى عالم التكنلوحيا و الذرة....
يا لروعة الأحلام ! انها تقلك دون كلفة ولا تأشرة فلا بال الا وانبجس به حلم ، نزلنا دوح الوادي وذبخوا لنا ذات جحش سمينة وبدأوا يطرقون الدفوف والألعاب جذلا بالتمدرس ، لقد انسانا كرمهم وفرههم وعثاء السفر ووطأة الأسى والحسرة وغيرها وبتنا نزداد عزما على مساعدتهم.
(قد يطلع الحجر العظيم براعما...تنمو كروم حوله وظلال).
ولأن التكيف ناموس طبيعي فقد اتفقنا معهم على خطة عمل دون الإدارة الجهوية الغبية ودون علم وزارة التعليم اذ ذاك...وعسى ان تكرهوا شيئا فهو خير لكم! قضينا هناك سنتي عطاء لا أروع ولا أحلى..
اليوم اهتزت أرض التعليم وربت في ظل قيادة جادة ومسؤولة وتضع التعليم على رأس الأولويات ووزارة ناجحة وناجعة التجربة وتمسك ثلاثي التربية بأمان ، تجسد فيها صاحبة المعالي Houda Mint Babah الكفاءة والإخلاص والنزاهة.فلم يعد للمعلم مبرر للتهاون.
انه تحول جذري يراعي توازنا بين الكم والكيف في قطاع محوري وهام.
*والى حكاية الهام جديدة*
من صفحة لمرابط محمد الامين على الفيسبوك


