كيف جمعت الصداقة المختار ولد داداه وولد يحي انجاي وفرقتهما السياسة؟

في مغترب الدراسة والشباب بمدينة "سان لوي" السنغالية، ولدت صداقة تاريخية جمعت بين شابين حملا هموم وطن يترقب الولادة؛ المختار ولد داداه، الشاب الطموح المقبل على الحياة والتعليم، وصديقه في الصعاب والمحن سيدي المختار ولد يحيى انجاي.

سيدي المختار، ذلك الفتى المولود في حضن النخيل بمدينة أطار عام 1916، والذي تمازجت في عروقه أصول الضفة الولوفية مع ثقافة الصحراء، تلقى تعليمه في "مدرسة أبناء الشيوخ". 

لم يكن مجرّد صديق للمختار ولد داداه، بل كان له بمثابة الحصن والسند. وبصفته رئيساً للجمعية الترابية ورئيساً لحزب الاتحاد التقدمي الموريتاني، سخّر سيدي المختار كلّ ثقله السياسي ونفوذه المالي لرعاية صديقه، متكفّلاً بتعليمه في فرنسا، وحين تخرّج وعاد؛ فتح له كل الأبواب الموصدة، وقدّمه للمجتمع والوجهاء وشيوخ القبائل الذين أبدوا معارضتهم الشديدة له آنذاك، فارضاً إياه كقائد للمستقبل برؤية ثاقبة وإيثار نادر.

ولكن، ما أشدّ قسوة السياسة حين تدخل بين القلوب الوفية؛ فبعد قيام الجمهورية الوليدة وتولي سيدي المختار رئاسة أول برلمان لها، لم يدم التوافق العاطفي أمام إكراهات بناء الدولة. وخلال أقلّ من عام، عصف الخلاف بين الصديقين حول طبيعة نظام الحكم وشكل الدستور، لتنتهي رحلة الرفقة بإقصاء سيدي المختار من المشهد السياسي الموريتاني بشكل كامل.

غادر سيدي المختار الوطن الذي أسهم في وضع لبناته الأولى، عائداً إلى السنغال، يعيش مرارة المنفى الاختياري ووجع الصداقة المبتورة، وبقي هناك يرقب تفاصيل وطنه من بعيد، حتى وافاه الأجل المحتوم سنة 1997م، لتبقى قصة "المختارَين" درساً خالداً في تاريخ موريتانيا عن صداقة جمعتها الغربة والمبادئ.. وفرّقتها السياسة والحكم.

 

من صفحة/ د. المهدي محي الدين