لا شك أن التساؤل حول سبب انتشار الاعتقاد بأن الوفاة تكثر في شهر شعبان يُعد من أكثر القضايا التي تثير الجدل بين الناس، خاصة مع تداول روايات وأقوال غير موثقة تربط هذا الشهر بكثرة الموت، مستندة إلى غيبيات لم يرد بشأنها دليل صحيح، ومن هنا تبرز أهمية توضيح حقيقة ما يُقال عن شهر شعبان، وبيان موقف الشرع من هذه المزاعم، لا سيما وأن النبي ﷺ حذّر من الغفلة فيه، داعيًا إلى اغتنامه بالطاعة والعمل الصالح.
لماذا يكثر الحديث عن الموت في شهر شعبان؟
انتشرت بين بعض الناس مقولة إن شهر شعبان هو شهر تتساقط فيه الأرواح وتكثر فيه الوفيات، إلا أن هذا الاعتقاد لا أصل له شرعًا، ويُعد من باب التشاؤم المنهي عنه في الإسلام. فالتطير والتشاؤم بزمن أو مكان أو أمر معين دون دليل يدخل في نطاق الاعتقادات الباطلة التي حذّر منها الشرع.
وقد وردت بعض الآثار التي تزعم أن أسماء من يُقدَّر لهم الموت خلال العام تُرفع أو تُكتب في شهر شعبان، أو أن التقدير السنوي للآجال يكون فيه، إلا أن أهل العلم أكدوا أن جميع هذه الروايات ضعيفة ولا يصح الاستناد إليها، ولا يجوز بناء العقائد أو الأحكام عليها.
وفي هذا السياق، قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: «ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها»، مؤكدًا بطلان الاعتماد على هذه الأقوال.
هل يثبت أن الموت يكثر في شعبان
كثرة الحديث بين الناس عن ارتفاع معدلات الوفاة في شهر شعبان، أو تفضيل من مات فيه، لا يستند إلى أي دليل صحيح من السنة النبوية. فشهر شعبان كغيره من شهور العام، تُقبض فيه الأرواح بأمر الله وحده، دون ارتباط بزمن معين، ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح يخص هذا الشهر بكثرة الموت أو بفضل خاص لمن توفاه الله فيه.
وردت عدة روايات نسبت إلى النبي ﷺ أو إلى بعض التابعين في أن الآجال تُقطع من شعبان إلى شعبان، أو أن ملك الموت يُبلّغ بأسماء من سيُقبضون خلال العام في هذا الشهر، إلا أن علماء الحديث ضعفوا جميع هذه الروايات، بل حكم بعضهم عليها بالنكارة الشديدة، كما بيّن ذلك الإمام الشوكاني والشيخ الألباني وغيرهما من أهل التحقيق.
وخلاصة ما قرره العلماء أن هذه الأحاديث لا تصح سندًا ولا متنًا، ولا يجوز الاعتماد عليها في تقرير مسألة عقدية أو غيبية تتعلق بالموت والآجال.
فضل شهر شعبان في الإسلام
رغم بطلان الاعتقاد بكثرة الموت في شعبان، فإن لهذا الشهر مكانة عظيمة في الإسلام. فقد أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن شهر شعبان شهر مبارك تُرفع فيه الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى.
وأوضح أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام فيه، ولما سأله الصحابي أسامة بن زيد رضي الله عنه عن ذلك، قال ﷺ:
«ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم».
وأشار إلى أن من الحكمة في الإكثار من العبادة في شعبان الاستعداد الروحي والعملي لاستقبال شهر رمضان، من خلال تنظيم الوقت، والتدرب على الصيام، والمواظبة على الذكر، وقراءة القرآن، والقيام، والدعاء.
كما نبه إلى أهمية الإكثار من تلاوة القرآن في شعبان، ومحاولة ختم المصحف فيه، حتى يكون ذلك معينًا على ختمه في رمضان، مؤكدًا أن القرآن نور للقلب وعون على سائر الطاعات.
منقول


