"“أعظم إنجاز استراتيجي في التاريخ العسكري: الفشل في مضيق هرمز الذي تحاول أميركا إخفاءه”، هو العنوان الذي اختاره ‘آفي أشكينازي’، لافتتاحية صحيفة ‘معاريف’ العبرية اليوم.
“الإيرانيون كانوا أكثر ذكاءً من ترمب ونتنياهو في إدارة الحرب” هي الخلاصة التي يخرج بها أحد أبرز وأشهر الكتاب الصحافيين في إسرائيل من تحليل مطوّل يغوص في أسباب وصول الوضع على ما هو عليه اليوم، بين تسريبات عن توافقات دبلوماسية في الكواليس ومؤشرات تصعيد تنبئ باقتراب تجدد الحرب الشاملة في المنطقة.
ينطلق الكاتب من رصد المزاج الإسرائيلي القلق، فيقول: “نقاش واحد يطغى على كل شيء، من شواطئ تل أبيب إلى الإسرائيليين الذين يقضون إجازاتهم في الخارج: هل ستندلع حرب مع إيران اليوم؟. حتى خسارة الأرجنتين وصديقنا ميسي في كأس العالم، تراجعت أمام هذا السؤال”.
ثم لا يلبث ‘أشكينازي’ أن يقفز إلى طرح وجهة نظره التي تفسر صياغة عنوان مقاله، فيقول إن أهداف الحرب من منظور واشنطن وتل أبيب كانت “صحيحة” نظريًا، لكن “تنفيذها اتسم بقلة الخبرة وشغل الهواة”.
ويلخص الكاتب الإسرائيلي أخطاء (أو خطايا) الحليفين في أربع نقاط:
الأول يتمثل في عدم بناء تحالفات واسعة تشمل أوروبا ودول الخليج العربية قبل شن الحرب التي يرى أنها “نُفذت بعقلية اندفاع لا بفكر استراتيجي لإدارة جبهة متعددة الأطراف”. فبدل أن تُحشد “شبكة إسناد” سياسية وعسكرية، دخلت واشنطن وتل أبيب المواجهة وهما تعتمدان على “تفوق ناري” لا يكفي وحده لحسم معركة بهذا الحجم.
الخطأ الثاني، بحسب المقال، كان الرضوخ لاعتبارات سياسية عطلت مسار “إسقاط أو تقويض النظام” في طهران، بعدما خضع ترمب، حسب تعبير ‘أشكينازي’، للفيتو الذي استخدمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن استخدام المعارضة الكردية في ضرب الخاصرة الإيرانية. وهنا يلمّح الكاتب الإسرائيلي إلى أن القرار السياسي الأمريكي لم يكن حرًا بالكامل، وأن الحسابات الإقليمية والدولية قيّدته، فكانت النتيجة -كما يزعم- أن “الحرب خُفض سقفها دون المستوى الذي وضعه المخططون، فحصلت إيران على مساحة للمناورة بدل أن تُستنزف بسرعة”.
أما الخطأ الثالث، وهو الأكثر حساسية عسكريًا، فتمثّل -من وجهة نظر الكاتب- في عدم الزج بقوات برية إلى أنفاق ومواقع المشروع النووي في نظنز وأصفهان وبوشهر وغيرها. وفي هذا السياق، يعيد ‘أشكينازي’ التذكير بما خلص إليه كبار الخبراء العسكريين الغربيين من أن الحروب الكبرى لا يمكن أن تُحسم من الجو فقط، وأنها تتطلب تحمل “الكلفة البشرية” الناجمة عن خوض المعارك على الأرض. فيقول: “لا يمكن أن تُدار الحرب كعملية بلا خسائر؛ لأنها في واقع الأمر تختبر مدى استعداد القادة لتحمل الخسائر البشرية والسياسية معًا”.
وعند هذه النقطة، يشير الكاتب إلي “التناقض السفيه” داخل الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران: رغبة في تحقيق نتائج كبرى من دون دفع الثمن الميداني.
،أخيرًا فأن الخطأ الرابع، والأخطر حسب المقال، كان تجاهل ردّ إيران بورقة مضيق هرمز الاستراتيجي وقدرتها على توظيفه كسلاح “ردع” سياسي-اقتصادي.
فيرى ‘أشكينازي’ أن قادة الحملة الأمريكية “فشلوا تكتيكيًا” لأنهم لم يرسلوا قوة مهام للسيطرة -منذ اللحظة الأولى- على منطقة المضيق الذي يتحكم في 20٪ من تجارة النفط العالمية. ويقول نصًا ” كان ينبغي أن يُغلق ميناء بندر عباس خلال دقائق عبر زرع ألغام في ممراته البحرية”. بل ويذهب أبعد من ذلك بالقول إنه كان يفترض أن يُشكَّل تحالف متعدد الدول لتأمين الملاحة ومنع طهران من تحقيق “أعظم إنجاز استراتيجي في التاريخ العسكري”.
هذه القراءة تتقاطع مع عديد التقارير الصحفية الغربية التي تناولت بالتحليل ما جرى ميدانيًا خلال الحرب منذ ضربتها الأولى القاسية على إيران نهاية فبراير، وتحولها تدريجيا من مواجهات صواريخ ومسيّرات إلى “صراع إرادات” للتحكم في الشريان البحري وبالتالي في إمدادات الطاقة العالمية، مرورًا باضطرار ترمب إلى تعليق القتال في أبريل لمدة أسبوعين “بشرط فتح الملاحة فورًا في مضيق هرمز”، وليس انتهاءً بموقف “الردع المتبادل” الذي يهيمن على المشهد الحالي.
ولعل تقرير ‘وول ستريت جورنال’ المنشور قبل يومين، يلخّص الموقف بخلاصة تقول: “الحرب المشتركة على إيران لم تحقق الحسم الموعود، بل أظهرت حدود القوة الجوية وحدها، وأجبرت الولايات المتحدة وإسرائيل على القبول بمسارات تهدئة ومراجعة حسابات. وفي ظل كل ما يدور حول فرص الحل الدبلوماسي (إحياء مذكرة التفاهم) أو احتمالات العودة للحرب الشاملة، يبرز سؤال محوري: من سيكتب مشهد النهاية في هذه الدراما؛ واشنطن أم طهران؟!
لكن اللافت في افتتاحية ‘معاريف’ أنها لا تكتفي بالجانب العسكري في تفسير الإخفاق الأمريكي الإسرائيلي، بل يرصد كاتبها كيف أن إيران تفوقت في فهم “نفسية” خصميها. فيكتب ‘أشكينازي’ أن الإيرانيين لا ينظرون إلى ترمب والنتنياهو كقائدين يحسمان الحرب بقرار موحد، بل “يتعاملون معهما كخصمين يمكن دفعهما إلى التراجع تدريجيًا”.
ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن طهران تفوقت على خصميها في إدارة ما يسمّيه “الزمن السياسي” للحرب: شدٌّ وإرخاء محسوب، وضربات موضعية مؤثرة، واستثمار ذكي في خوف الجميع من تداعيات التصعيد الكامل.
فإيران، في نظره، لم تنتصر لأنها امتلكت تفوقًا عسكريًا أو جغرافيًا، بل لأنها قرأت الحرب في سياق “صراع إرادات لا تبادل ضربات”، بينما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل المعركة بوهم أن التفوق التقني والعسكري والاستخباراتي قادر على حسم النتيجة. لتثبت الأيام أن” المضيق، والإرادة، والزمن السياسي” أرقام صعبة في معادلة النصر."
هاني الكنيسي


