منذ نحو عشرين عامًا لم أزر مدينة لكويرة، تلك المدينة التي ارتبطت في ذاكرتي، كما ارتبطت في ذاكرة كثير من أبناء أنواذيبو، بأيام جميلة وبذكريات عائلية لا تزال حاضرة رغم مرور السنين.
كنا نزورها بانتظام، لا للسياحة وحدها، وإنما لزيارة ضريح جدي، الوجيه أحماد ولد اعل سالم، رحمه الله، الذي نُقل إليها في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد وعكة صحية ألمّت به في أنواذيبو، فنُقل من مستشفى المدينة آنذاك إلى مستشفى لكويرة لتلقي العلاج، لكنه توفي هناك، ودفن في مقبرتها القريبة من شاطئ المحيط الأطلسي.
ومنذ ذلك الحين أصبحت لكويرة بالنسبة إليّنا كأسرة أكثر من مجرد مدينة عند أقصى الجنوب الغربي؛ أصبحت جزءًا من الذاكرة العائلية، ومن تاريخ أسرة، ومن تاريخ مدينة أنواذيبو نفسها.
ما لا يعرفه كثيرون ممن يتحدثون اليوم عن لكويرة وتاريخها أن العلاقة بينها وبين أنواذيبو لم تكن يومًا علاقة مدينتين منفصلتين تمامًا.

فقد كانت لكويرة، تاريخيًا وجغرافيا واجتماعيًا، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمحيط خليج النجمة وشبه جزيرة الرأس الأبيض، وكانت الحركة بين أنواذيبو ولكويرة طبيعية ومستمرة؛ للزيارة، والتجارة، والعمل، والعلاج، والتنزه.
كان سكان أنواذيبو يذهبون إلى لكويرة للاستجمام، وكان بعضهم يعمل هناك ويعود مساءً إلى أنواذيبو، بينما كان التجار يتنقلون بين أسواق المدينتين، يحملون السلع ويعودون بأخرى.
لم تكن الحدود، كما نعرفها اليوم، قادرة على محو تلك الروابط الاجتماعية والاقتصادية القديمة.
إنها مدينة نشأت في بيئة ساحلية استثنائية، على ضفاف الأطلسي، في منطقة كانت تزخر بالحركة التجارية والبحرية وبالموارد الطبيعية.
وقد زاد من خصوصيتها موقعها الجغرافي في منطقة الرأس الأبيض، وهي المنطقة التي شهدت خلال الحقبة الاستعمارية ترتيبات وحدودًا واتفاقات بين النفوذين الفرنسي والإسباني.
ولهذا فإن فهم تاريخ لكويرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن تاريخ الرأس الأبيض وأنواذيبو والمنطقة الممتدة حول خليج النجمة.
ومن الأخطاء التي ينبغي تجنبها عند قراءة تاريخ المنطقة إسقاط الحدود السياسية الحديثة على واقع اجتماعي وجغرافي كان مختلفًا قبل ترسيم تلك الحدود.
من يعرف تاريخ المدينتين عن قرب يدرك أن سكان لكويرة لم يكونوا مجتمعًا منفصلًا عن سكان أنواذيبو.
فالقبائل والأسر والروابط الاجتماعية كانت واحدة، والتنقل بين المدينتين أمرًا مألوفًا، والتجارة والمصاهرة والعمل والعلاج والزيارة كلها جسور مفتوحة بينهما.
وحين تغيرت الظروف السياسية والعسكرية في المنطقة خلال حرب الصحراء، وانتقلت الحياة من لكويرة، استقر عدد كبير من الأسر في أنواذيبو، التي أصبحت بالنسبة إليهم موطنًا جديدًا، أو امتدادًا طبيعيًا لمدينتهم القديمة.
ولم يكن الأمر مجرد انتقال للسكان؛ بل انتقلت معهم الذاكرة والتجارة والعادات والعلاقات الاجتماعية.
ومن أبناء لكويرة الذين ارتبطوا لاحقًا بأنواذيبو تجار وشخصيات معروفة، من بينهم أعليوة ولد امبارك، وإبراهيم ولد البشير، وأحمد الصغير، رحمهم الله جميعًا، ممن عاشوا في أنواذيبو ودفنوا فيها.
وهنا تبرز حقيقة مهمة:
لا يمكن تقسيم ذاكرة الناس على أساس الحدود وحدها.
فالحدود السياسية قد تفصل بين نقطتين على الخريطة، لكنها لا تستطيع أن تفصل بين الأسر والقبائل والمصاهرات والمصالح والذكريات التي تشكلت عبر أجيال.
حين نستمع إلى روايات كبار السن، لا نكاد نصدق أن المكان الذي نعرفه اليوم بهذه الصورة كان يومًا مدينة نابضة بالحياة.
كانت لكويرة سوقًا، وميناءً، ومكانًا للحركة التجارية، ومقصداً لأبناء المنطقة.
وكان البحر مصدرًا للرزق، والشوارع تعرف أهلها، والأسواق تجمع التجار، والشاطئ يستقبل الزائرين.
كانت زهرةً من زهور مدن الأطلسي؛ مدينة صغيرة في حجمها، كبيرة في حضورها، غنية بما حولها من البحر والصحراء والتجارة.
ثم جاءت سنوات التحول، وتغيرت الظروف، وغادرها معظم أهلها، وانحسرت الحياة عنها شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المدن إثارة للحزن والحنين.
قد تكون لكويرة اليوم مدينة شبه مهجورة، لكن التاريخ لا يهجر الأمكنة.
ففي مقبرتها يرقد أناس عاشوا فيها، وفي رمالها آثار أقدام أجيال مضت، وعلى شاطئها بقيت ذاكرة البحر، وفي أنواذيبو يعيش أحفاد وأبناء من كانوا جزءًا من حياتها.
وحين أفكر في جدي أحماد ولد اعل سالم، رحمه الله، المدفون هناك منذ ستينيات القرن الماضي، أشعر أن لكويرة ليست مكانًا مهجورًا بالنسبة لعائلتنا.
هناك قبر، وهناك ذاكرة، وهناك جزء من تاريخ الأسرة.
ولست وحدي في ذلك؛ فكثير من أبناء أنواذيبو يحملون في ذاكرتهم قصة مع لكويرة، سواء كانت زيارة، أو تجارة، أو عملًا، أو صداقة، أو قرابة، أو رحلة إلى البحر.
إن الحديث عن لكويرة اليوم لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد نقاش حول خطوط الحدود والسيادة والجغرافيا السياسية.
فوراء الخرائط توجد حياة بشرية كاملة.
وراء كل بيت مهجور قصة أسرة.
وراء كل قبر اسم إنسان.
وراء كل سوق قديم تاجر عاش وكافح وبنى حياة.
وراء كل طريق بين لكويرة وأنواذيبو عشرات الحكايات عن رجال ونساء كانوا يتنقلون بين المدينتين وكأنهما مدينة واحدة.
ولهذا فإن إعادة كتابة تاريخ لكويرة ليست ترفًا، بل هي جزء من حفظ الذاكرة الوطنية والمحلية.
قبل أن تختفي التفاصيل
ربما تكون أخطر خسارة تواجه لكويرة اليوم ليست هجرانها، وإنما ضياع الروايات المتعلقة بها.
فالكثير من الذين عاشوا تلك المرحلة رحلوا، ومع رحيلهم ترحل أسماء الأشخاص، وأسماء الأسواق، وأماكن السكن، وقصص التجار، وذكريات المستشفى، والمدرسة، والميناء، والرحلات بين لكويرة وأنواذيبو.
ولهذا فإن شهادات كبار السن، والصور القديمة، والوثائق، والخرائط، والمراسلات، والسجلات، والقصص العائلية، كلها أصبحت مصادر ثمينة لإعادة بناء صورة تلك المدينة.
ربما لا أستطيع اليوم أن أزور لكويرة كما كنا نفعل قبل عشرين عامًا.
لكنني كلما تحدثت عنها أشعر أنني أعود إليها.
أعود إلى مقبرة قريبة من الأطلسي، حيث يرقد جدي.
أعود إلى مدينة كانت تستقبل أهل أنواذيبو وتعيدهم إليها مساءً.
أعود إلى الأسواق والتجار والبحارة والعائلات.
أعود إلى مدينة لم تكن تعرف أن الزمن سيحولها يومًا إلى مدينة مهجورة.
لكويرة لم تمت... إنها فقط غادرت الحياة اليومية، وبقيت في الذاكرة.
وبينما تتغير المدن وتتبدل الخرائط، تبقى ذاكرة الناس أقوى من الحدود.
فلكويرة وأنواذيبو ليستا مجرد مدينتين على خارطة موريتانيا؛ إنهما صفحتان متداخلتان من تاريخ واحد، جمع بينهما البحر، والتجارة، والقبيلة، والقرابة، والعمل، والهجرة، والذاكرة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لهذه المدينة اليوم هو ألا نتركها تموت للمرة الثانية... مرةً بهجرانها، ومرةً بنسيان تاريخها.
من صفحة/ عبد الباقي العربي
باحث مهتم بتاريخ أنواذيبو



