رصاصات غادرة أنهت حياة سيف الإسلام القذافي، بعد سنوات من الحضور القوي والنفوذ الواسع أثناء حكم والده، وسنوات أخرى عصيبة أعقبت ذلك قضى معظمَها في منطقة الزنتان حيث يوجد مؤيدوه، والتي شهدت مصرعَه المأساوي على أيدي مجهولين.
وفي هذا التقرير الذي نشرتْه جريدة "الاتحاد" في عام 2009، تذكير ببعض المحطات في حياة القائد الشاب المغدور.
————————-
سيف الإسلام القذافي.. خطوات نحو "ليبيا الغد"!
في خطوة يتوقع لها البعض أن ترسم بدايةَ حقبة جديدة في ليبيا، أُعلن في طرابلس، الخميس الماضي، أن سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، عُين منسقاً عاماً للقيادات الشعبية، وأنه بذلك سيمتلك "كافة الصلاحيات ليمارس دورَه في اتجاه بناء ليبيا الغد". وقد ارتبط شعار "ليبيا الغد" بظهور سيف الإسلام القذافي نفسه على مسرح الحياة الليبية العامة، كفاعل وصاحب دور في قضايا وملفات عديدة. وهو دور تنامى خلال الأعوام الأخيرة، وجعل من سيف الإسلام قطباً مؤثراً، لاسيما وقد طرح "برنامجاً سياسياً" مختلفاً عن المعتاد. وفي هذا الإطار وعد سيف الإسلام بإصلاح يتضمن تطوير الإدارة العامة وتطهيرها من الفساد، وانتهاج سياسة منفتحة في المجال الاقتصادي، وتحرير وسائل الإعلام، ووضع دستور ديمقراطي، وإطلاق المعتقلين السياسيين، ودعوة المعارضين المنفيين للعودة والحوار.. إلخ.
وارتبطت ديناميكية الصعود النشط لسيف الإسلام القذافي، بالدور الذي لعبته في تأييده الروابطُ الشبابية والطلابية والمهنية، وفعاليات أخرى غير رسمية. فهو من جيل شاب أنهى أفرادُه دراستهم منذ سنوات قليلة فقط، ليبدؤوا التوافدَ على مواقع المسؤولية ومراكز القرار، وهم يحسون أن سيف الإسلام هو الأقرب إلى تفكيرهم ونمط اهتماماتهم. وهو ابن المؤسسة التعليمية الليبية التي تضم اليوم غالبيةَ الفئة الشابة من المجتمع. فقد درس المرحلة الابتدائية والإعدادية بمدارس طرابلس الحكومية في حي "أبي سليم"، غير بعيد من مقر إقامة أسرته في "باب العزيزية". كما درس المرحلة الثانوية بمدرسة "علي وريّث" الحكومية أيضاً. ثم التحق بكلية الهندسة في جامعة الفاتح بطرابلس وتخرج منها عام 1994. وفي هذه المؤسسات وغيرها من مكونات النظام التعليمي الليبي، كون سيف الإسلام علاقات وروابط، في إطار اللجان الثورية أو خارجها، هي أحد روافد الدعم الشبابي والطلابي له حالياً.
ومما ساهم أيضاً في صعود سيف الإسلام، اهتمامه الفائق بالإعلام وبالصورة الإعلامية، فقد عرف بانتقاداته لوسائل الإعلام الرسمية، وللقيود المفروضة على حرية التعبير. وقد استطاع في عام 2007 إطلاق أول محطة تلفزة ليبية خاصة وأول صحيفتين خاصتين في البلاد. وما لبثت "شركة الغد للخدمات الإعلامية"، الذراع الإعلامية لسيف الإسلام، أن أضافت إلى قناتها "الليبية" وصحيفتيها "أويا" و"قورينا" (الاسمان الرومانيان السابقان لمدينتي طرابلس وشحّات شرق ليبيا على التوالي)، ثم القناة الفضائية "أف أم"، وقناة "الإيمان" المسموعة، وعدة إذاعات ودور نشر وتلفزيونات أرضية. وقد أصبح لهذه المنظومة الإعلامية متابعوها داخل ليبيا، ويتولى قيادتها صحفيون وإعلاميون مقربون من سيف الإسلام نفسه، يظهرون اختلافاً عن الرسالة الرسمية للإعلام الليبي الحكومي.. مما رسخ صورة سيف الإسلام كقيادي يمثل قطيعة مع الماضي وليس امتداداً له.
وإلى ذلك فقد بنى سيف الإسلام لنفسه سمعة داخلية من خلال الأنشطة والمهام والمشاريع التي تبنتها "مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية". فمنذ إنشائها برئاسته، عام 2003، قدمت العون والمساعدة لآلاف الليبيين المحتاجين، وبادرت بإطلاق حملات للإفراج عن المعتقلين السياسيين، وزارت أماكن الاعتقال في أنحاء مختلفة من ليبيا، وأعدت تقارير وأصدرت توصيات بتحسين أوضاع السجون وتوفير الرعاية والعلاج للسجناء المرضى.
لكن قبل هذا وذاك، فسيف الإسلام هو نجل العقيد معمر القذافي، قائد الثورة ورئيس الدولة في ليبيا، فبعد حوالي ثلاث سنوات على قيام الثورة بقيادة القذافي، رزق في عام 1972 بابنه الثاني من زوجته الثانية صفية فركاش، فسماه سيف الإسلام. ومع تقدم مراحله الدراسية وإدراكه سن النضج، بدا سيف الإسلام أكثر إخوانه انشغالا بالسياسة، وقد شجعه والده وأراد أن يعده لدور قيادي في البلاد، وأسند إليه مهمات داخلية وخارجية، وضعته في دائرة اهتمام الإعلام الغربي. ومن ذلك التفاوض حول ملف ممرضات "الإيدز" البلغاريات اللواتي أمضين ثماني سنوات في السجن قبل الإفراج عنهن في إطار اتفاق جرى عام 2007. وكذلك ملفا التعويض لعائلات ضحايا طائرتي "بان أمريكان" و"يو تي أي" الفرنسية. كما يعد سيف الإسلام مهندس الصفقة التي أبرمتها ليبيا مع الغرب عام 2003، مقابل التخلص من برنامجها النووي. كذلك أشرف على "صفقة" الإفراج عن المقرحي مؤخراً. علاوة على وساطته في قضايا احتجاز رهائن غربيين في الفلبين ومالي، ومهمات أخرى جعلته في بؤرة الحدث وأظهرته كمحرك لكثير من الملفات الليبية، داخلياً وخارجياً.
ورغم أن سيف الإسلام لم يتول منصباً رسمياً حتى الأسبوع الماضي، فإنه -كما يقال- لعب دوراً أكبر مما هو ظاهر فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الليبية، وفي الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة، وإن معظم ما نادى به في مبادرة الإصلاح التي طرحها خلال تجمع شبابي حاشد بمدينة بنغازي، في أغسطس 2006، قد تم تطبيقه لاحقاً.
بيد أن أنصار سيف الإسلام يقولون إن جهوده الإصلاحية تصطدم بمصالح "المعسكر القديم"، مما حمله على إعلان انسحابه من الحياة السياسية في أغسطس 2008. لكنه عاد إلى الأضواء مجدداً بعودته رفقة المقرحي، وتوج عودته بإعلانها في مهرجان نظمه مؤيدوه، وبالإسهام مرة أخرى في تبريد العلاقات الليبية الغربية عقب التداعيات العاصفة لإطلاق سراح المقرحي، في وقت حساس كانت تتأهب فيه ليبيا للاحتفال بالذكرى الأربعين لثورتها.
في هذه الظروف طالب القذافي، خلال اجتماع كبير بمدينة سبها يوم السابع من أكتوبر الجاري، بإيجاد منصب رسمي لنجله سيف الإسلام، كي يتمكن من القيام بواجبه تجاه بلاده، قائلا إنه مخلص ويحب ليبيا، لكنه يواجه مشكلة كونه لا يشغل منصباً في الدولة. وعقب ذلك بادر منسقو القيادات الشعبية الاجتماعية إلى ترتيب اجتماع استثنائي عاجل، عقدوه الخميس الماضي، حيث أصدروا القرار رقم 1 بتعيين سيف الإسلام القذافي "منسقاً عاماً للقيادة الشعبية الاجتماعية"، وهو منصب جديد يضاهي منصب "رئيس الدولة"، ويتمتع شاغله بسلطة الإشراف على البرلمان والحكومة والأجهزة الأمنية... فهل هي الخطوة الأوسع، حتى الآن، في طريق السير نحو "ليبيا الغد"؟
من صفحة المدون/ محمد المنى


