زينب منت أحمد ولد سيدي.. حين يرحل أهل الأثر ويبقى أثرهم

"ثمّة أناس يمرّون في الحياة بهدوء، فلا يطلبون موضعًا في الضوء، ولا يحرصون على أن تُروى أعمالهم، لكنّ رحيلهم يكشف—على نحوٍ مؤلم وجميل في آن—كم كانوا يحملون في صمتهم من خير، وكم تركوا في حياة الناس من أثر لا تُدرك قيمته كاملة إلا حين يغيب صاحبه. هكذا كانت المرحومة زينب بنت أحمد ولد سيدي؛ امرأة اختارت أن تجعل من العطاء أسلوب حياة، ومن خدمة الناس بابًا ترجو به ما عند الله، بعيدًا عن كل ما قد يشوب العمل من طلب الثناء أو التماس الذكر.

في مسيرتها مع جمعية قلوب محسنة، حيث كانت تضطلع بمسؤولية رعاية المساجد، لم تكن تؤدي مهمة عابرة، بل كانت تمارس معنىً عميقًا من معاني العبادة في صورتها العملية؛ حضور دائم، وحرص صادق، ومتابعة لا تعرف الفتور. والأبلغ من ذلك أن المرض—على ثقله—لم يكن يومًا سببًا لانقطاعها أو تراجعها، بل ظلت وفية لما حملته على نفسها من مسؤولية، تؤديها بثبات من يرى في العمل الصالح عهدًا لا يُنقض بتبدّل الأحوال.

غير أن الوجه الأعمق في سيرتها ربما يكمن في ذلك الخير الذي ظل بعيدًا عن الأعين. فقد عُرفت بوجوه متعددة من الإنفاق في سبيل الله، وبأعمال برٍّ كثيرة لم تكن تسعى لأن تُعرف، حتى إن جانبًا معتبرًا مما كانت تقوم به لم يكن معلومًا لأسرتها ولا للمقرّبين منها. وفي هذا المعنى تحديدًا تتجلّى قيمة خاصة في حياتها؛ إذ لم يكن الخير عندها مما يُحكى، بل مما يُصنع في صمت، ولم يكن العطاء بابًا إلى السمعة، بل طريقًا خالصًا إلى الله.

وإذا كان أثر الإنسان يُقاس أيضًا بما يتركه في نفوس من حوله، فإن زينب كانت في جانبها الإنساني مثالًا لحسن الخلق، وسعة القلب، وإكرام الضيف، والجاهزية الدائمة لتلبية ما يُطلب منها، في طيبة لا تتكلّف، وفي كرم ينبع من سجية أصيلة، لا من واجب اجتماعي عابر. وكان مما يلفت في سيرتها ذلك الصبر العجيب الذي منحها قدرة نادرة على احتمال المرض وآلامه؛ فرغم ما كانت تكابده في صمت، كانت تبدو لمن يراها كأنها في تمام عافيتها، تستقبل الناس ببشاشة، وتتحرك بينهم بروح مطمئنة، فلا تُظهر من وجعها إلا ما يزيدها وقارًا وثباتًا.

وفي بيتها، لم تكن صاحبة دارٍ تكتفي بحسن الاستقبال، بل كانت تشارك ضيوفها كل شيء كأنها واحدة منهم؛ تجلس بينهم بروح القريبة، وتخالطهم ببساطتها، وتحرص على أن يكون حضورهم مناسبة للألفة والسرور، لا مجرد واجب ضيافة عابر. كانت تُشعر كل من دخل بيتها أنه في أهله، بما عُرف عنها من لطف المعشر، وصدق الأنس، وكرمٍ يجعل الضيافة عندها معنىً إنسانيًا قبل أن تكون عادة اجتماعية.

لقد كانت، بحق، مدرسة في الإنفاق، ومدرسة في الخلق، ومدرسة في العمل الخيري الهادئ الذي لا تصنعه الأضواء، بل تصنعه النيات الصادقة والقلوب التي عرفت طريقها إلى الله عبر أبواب الخير المفتوحة للناس. وربما كان أعظم ما تركته ليس فقط ما قدّمت، بل الكيفية التي قدّمته بها: في خفاء يشبه الإخلاص، وفي صبر يشبه اليقين، وفي تواضع يجعل الذكر الحسن امتدادًا طبيعيًا لحياةٍ عاشت لله… فعاشت في قلوب الناس.

رحم الله زينب بنت أحمد ولد سيدي رحمة واسعة، وجعل ما بذلته نورًا لها في قبرها، ورفع درجتها في الصالحين، وألهم أهلها ومحبيها جميل الصبر والسلوان. فهكذا هم أهل الأثر؛ يرحلون بأجسادهم، لكن ما زرعوه من خير يبقى حيًّا، يثمر دعاءً، ويترك في القلوب ذكرًا لا يبهت، وفي الحياة أثرًا لا يغيب"

  المستشار/ محمد لحظانه