"نظام ولد الطايع.. حين تحوّل الفساد إلى ثقافة واغتيل الضمير العام"

"لم يكن نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع مجرّد مرحلة سياسية عابرة في تاريخ موريتانيا، بل شكّل منعطفًا خطيرًا في البنية الأخلاقية والاجتماعية، حيث انتقل الفساد في عهده من كونه سلوكًا شاذًا أو ممارسة معزولة، إلى منظومة حكم متكاملة، ومن انحراف فردي إلى ثقافة عامة لها أدواتها، ورموزها، وآلياتها، ومسوّغاتها.

لقد حكم ولد الطايع بعقلية أمنية مغلقة، ترى في السياسة خطرًا دائمًا، وفي الاختلاف تهديدًا وجوديًا، وفي المعارضة عدوًا يجب سحقه لا منافسته.

وبدل أن يؤسس لتجربة سياسية قائمة على التعدد والتنافس النزيه، اختار بناء نظام يقوم على شراء الولاءات، وتحويل الانتماء السياسي إلى صفقة، والموقف إلى سلعة، والضمير إلى عبء ينبغي التخلص منه.

وهكذا، وُضعت اللبنات الأولى لثقافة النفاق السياسي التي تحوّلت لاحقًا إلى السلوك السائد داخل المجتمع.

من دولة المؤسسات إلى دولة الولاءات

اعتمد نظام ولد الطايع على المال العام لا بوصفه أداة للتنمية، بل وسيلة للسيطرة والتحكم.

فتم توجيه الثروة الوطنية لخدمة محيطه، وأعوان لا يجمعهم سوى الولاء الأعمى لنظامه.

وفي المقابل، حُرم المعارضون والمستقلون وأصحاب الرأي من أي امتيازات، لا لشيء سوى لأنهم رفضوا الانخراط في مسرحية الولاء الزائف.

بهذه السياسة، تحوّل الخوف إلى هاجس دائم لدى الوجهاء والسياسيين، وأصبحت المعارضة مرادفًا للتهميش، بل وللانتقام الإداري والاجتماعي.

ولم يعد السؤال المطروح داخل النخب: ما هو الموقف الصحيح؟ بل: أين يقف النظام؟ فاختلطت القيم، وتحوّل الانتهاز إلى فضيلة، والصمت إلى حكمة، والتزلّف إلى طريق النجاة.

التعيين.. مكافأة للإقالة

اعتمد نظام ولد الطايع سياسة فاسدة قائمة على تحويل التعيين في المناصب إلى غنيمة دائمة لأعوانه، حيث صار التعيين حقًا مكتسبًا لا يُسحب مهما بلغت التجاوزات، وأصبحت الإقالة مجرد إجراء شكلي، لا تلبث أن تُتبع بتعيين جديد، وكأن المنصب دين واجب السداد على الحكومة.

لا فرق بين من أُقيل بسبب الفساد أو سوء التسيير، فالجميع يُعاد تدويرهم في مفاصل الدولة بلا مساءلة ولا محاسبة.

هكذا ترسّخت ثقافة الإفلات من العقاب، وضُرب مبدأ الكفاءة في الصميم، ودُفنت هيبة الدولة تحت أقدام الزبونية السياسية.

شرعنة الفساد واغتيال القيم

الأخطر في إرث نظام ولد الطايع أنه لم يكتفِ بتشجيع الفساد، بل عمل على شرعنته أخلاقيًا، وتعاطت العامة معه بمسميات غريبة من قبيل: “التركاع”، و“التفكريش”، وتم تقاسم المال العام بحجة التسيير.

وهكذا، بات الاختلاس والسرقة والاحتيال سلوكًا عاديًا لا يثير الاستغراب ولا يوقظ الضمير.

ومع مرور الزمن، تسللت هذه الثقافة من قصر الحكم إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى السوق، ومن السوق إلى البيت ثم العريش والخيمة.

لقد كان الإرث الإنساني الحقيقي الذي ينبغي أن يساءل عنه هذا النظام هو قتل روح النزاهة والعفة والضمير داخل مجتمع البيظان، وضرب منظومة القيم التي كانت، رغم بساطتها، تشكّل صمام أمان أخلاقيًا واجتماعيًا.

إرث ثقيل لم يسقط بسقوط النظام

ورغم مرور أكثر من عقدين على سقوط نظام ولد الطايع، فإن بصماته ما تزال واضحة ليس في نظام الحكم، بل في المشهد السياسي الراهن.

فكثير من ممارسات الفساد الحالية تستمد جذورها من تلك الحقبة، حيث تم تطبيع الفساد، وإضعاف الحسّ العام بالمحاسبة، وتحويل الدولة إلى غنيمة.

إن تجاهل الفساد الذي نُسجت خيوطه خلال حكم ولد الطايع لا يمثّل خطأ في قراءة التاريخ فحسب، بل يشكّل عقبة حقيقية أمام أي سياسة جادة لمكافحة الفساد.

فلا يمكن بناء مستقبل نظيف دون تفكيك الماضي الفاسد، ولا يمكن استعادة الثقة دون تسمية الأشياء بأسمائها.

أما ما كان يُرفع آنذاك من شعارات “مكافحة الفساد”، فلم يكن سوى ستار دعائي، لوّحت به السلطة وهي غارقة في الفساد من رأسها إلى أخمص قدميها، وهو الشعار نفسه الذي أعادت الأحكام اللاحقة إنتاجه دون مساس جوهري بجذور المشكلة.

تفاهة المشهد وانهيار النخب

لقد حاصرت ممارسات نظام ولد الطايع مجتمع البيظان داخل زاوية معتمة، صار يُشار إليها بالأصابع، حيث تحوّل الفساد إلى ثقب أسود يمتص كل نور، ويحوّل كل ضوء إلى ظلام دامس.

وامتدت هذه الثقافة لتنتج مشهدًا عامًا عنوانه التفاهة، والتي تجلت في السلوك والممارسات : تفاهة ممارسات النخب السياسية، والأطر، ورجال الأعمال والوجهاء، بل وحتى في ممارسات عدد من القيادات الدينية من أئمة وعلماء وفقهاء ومشايخ، وكل من تاه في التفاهة او قرر التعاطي معها بالصمت أو التبرير بدل المواجهة.

ورغم الانتشار الواسع لهذه الممارسات بين الرجال بشكل عام، يلاحظ أن اتساعها ظلّ محدودًا نسبيًا بين النساء، وهو ما يستدعي التفكير الجاد في الاعتماد عليهن ضمن استراتيجيات مكافحة ثقافة الفساد، بدل إعادة تدوير الوجوه نفسها التي ترعرعت داخل ثقافة الولاء والامتياز.

ضرورة القراءة الجريئة

ومهما يكن من أمر، فإن نظام ولد الطايع لم يفسد الإدارة فقط، بل أفسد العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السياسة والأخلاق.

وقد آن الأوان لقراءة تلك المرحلة بجرأة ومسؤولية، لا بدافع الانتقام، بل من أجل الفهم والمساءلة، حتى لا يتكرّر النموذج نفسه بأسماء وشعارات مختلفة.

فالفساد حين يتحوّل إلى ثقافة لا يُهزم بالصمت، بل بالنقد، وبالوعي، وبالاعتراف بالحقيقة مهما كانت موجعة.

وحدها مواجهة الماضي بصدق يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل لا تُدار فيه الدولة بعقلية الغنيمة، ولا يُختزل فيه الضمير في صفقة.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر"