الشعب يبكي شهداءه… والسلطة تحمي هشاشتها
منذ عدة سنوات، يدفع المواطنون الموريتانيون من دمائهم ثمن وضعٍ أصبح لا يُحتمل: تكرار قتل مواطنينا على الأراضي المالية. شهرًا بعد شهر، تتوالى هذه المآسي، تاركةً وراءها عائلاتٍ ثكلى، ومجتمعاتٍ مجروحة، وأمةً بأكملها غارقةً في الحيرة والغضب. هذا النزيف البشري الذي لا يبدو أنه سيتوقف يطرح بجدية مسألة مسؤولية السلطة القائمة.
أمام هذه الجرائم المتكررة، تبدو مواقف السلطات الموريتانية موسومةً بحذرٍ مفرط، يكاد يتحول إلى نوعٍ من الاستسلام. فبدل أن ترفع صوتها بحزم، وبدل أن تطالب بوضوح بحماية مواطنيها وبإنصاف عائلات الضحايا، يعطي الحكم انطباعًا بأنه يراعي توازناته الدبلوماسية على حساب الكرامة الوطنية. وما يصفه البعض بالواقعية السياسية أصبح أقرب ما يكون إلى ضعفٍ مُعلن.
إن الدولة التي تحترم نفسها أولى واجباتها حماية مواطنيها أينما كانوا. وعندما يُقتَل المواطنون، وعندما تصبح سلامتهم غير مضمونة، فإن الصمت أو التردد الدبلوماسي لا يمكن أن يكونا جوابًا مقبولًا. وليس المقصود الدعوة إلى المواجهة أو السعي إلى التصعيد، بل المقصود أن يُعلن بوضوح أن حياة الموريتانيين ليست محل مساومة، وأن دماءهم لا يجوز أن تستمر في السيلان دون حساب.
لقد أصبح لدى كثير من الموريتانيين شعورٌ بأن السلطة تتردد في المضي إلى آخر حدود المطالبة بحقوق مواطنيها خوفًا من أن تهتزّ استقرارها هي نفسها. وكأن الحفاظ على بقاء النظام يسبق الدفاع عن المواطنين. وكأن الخشية من توتر العلاقات مع مالي تمنع المطالبة، بالصرامة اللازمة، بوقف هذه الجرائم فورًا، وبجبر الضرر الذي لحق بعائلات الضحايا.وهذا الشعور، سواء كان دقيقًا بالكامل أم لا، يظل في حد ذاته أمرًا خطيرًا، لأنه يعكس تآكل الثقة بين الشعب ومن يتولون قيادته.
إن السلطة التي تعطي الانطباع بأنها عاجزة عن حماية شعبها تفقد، مع مرور الوقت، شرعيتها الأخلاقية. فالحكم ليس مجرد الحفاظ على توازنات سياسية، بل هو أيضًا القدرة على اتخاذ قرارات صعبة عندما تكون كرامة الوطن وأمن المواطنين على المحك.فإذا كانت السلطات الحالية ترى أنها لا تستطيع أن تمضي أبعد من ذلك، وإذا كانت تعتقد أن هشاشتها لا تسمح لها بالدفاع بقوة عن الموريتانيين، فإن السؤال يطرح نفسه بإلحاح: هل ما زالت تملك القدرة على تحمّل المسؤولية كاملة كما تقتضيها الأمانة؟لقد فُقدت أرواح كثيرة وتنتظر عائلات كثيرة العدالة وبقيت وعود كثيرة بلا أثر لقد بلغ السيل الزبى.
فإذا عجزت السلطة القائمة عن وضع حدّ لهذه الجرائم، وعجزت عن فرض الاحترام الواجب للموريتانيين، وعجزت عن إنصاف عائلات الشهداء، فعليها أن تمتلك الشجاعة السياسية للاعتراف بحدود قدرتها.ففي كل أمةٍ حيّة، يوجد رجال ونساء قادرون على النهوض، مستعدون لاتخاذ القرارات اللازمة، مستعدون للكلام بصرامة، ومستعدون للدفاع عن كرامة الوطن دون تردد.
فالدولة التي لا تحمي مواطنيها تضعف نفسها بنفسها.
والشعب الذي يرى دمه يُسفك دون ردّ فعل، لا
بدّ أن يطالب يومًا بالحساب
الجنرال لبات ول المعيوف


