"آحميم… حتى لا تضيع الفرصة"

"مع انطلاق الإنتاج من حقل السلحفاة آحميم الكبير، دخلت موريتانيا مرحلة جديدة من تاريخها الطاقوي؛ مرحلة يختلط فيها الأمل بالأسئلة، والتطلعات بالتحفظات. فقد تصاعدت النقاشات في الفضاء العام، وتعددت القراءات والتأويلات، حتى امتلأت الساحة بآراء متباينة، بعضها مبني على معطيات دقيقة، وأخرى يغلب عليها الانطباع أو سوء الفهم، مما خلق قدرًا من اللبس واللغط والارتباك لدى المواطن.

وزاد من حدة هذا الجدل ما شهدته البلاد مؤخرًا من أزمة في مجال الطاقة، حيث ارتفعت وتيرة الانتقادات بين ما هو مشروع ومؤسس على معاناة حقيقية، وبين ما هو متسرع أو غير منصف في تقدير الوقائع، وهو ما سنحاول الوقوف عنده وبيانه في هذا المقال.

وفي خضم هذا التباين، أصبح من الضروري التوقف عند الحقائق، وتبسيط المفاهيم، وفهم السياق العام الذي يجري فيه هذا المشروع، بعيدًا عن المبالغة أو التقليل. فمشروع آحميم ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل هو تحول استراتيجي له أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، ويستدعي قراءة واعية ومتأنية.

يأتي هذا المقال في هذا السياق، سعيًا إلى توضيح الصورة، وشرح ما يجري في آحميم، وتقديم فهم أقرب إلى الواقع، يساعد القارئ على إدراك طبيعة هذا المشروع، وحدود تأثيره، وآفاقه المستقبلية.

الحقيقة الأساسية التي يجب الانطلاق منها هي أن الحقل مشترك من حيث المبدأ والاتفاق، وقد تم تقسيمه بالتساوي بين موريتانيا والسنغال على مستوى الملكية السيادية للثروة، وهو ما يُعد مكسبًا مهمًا يعكس روح التعاون بين البلدين.

لكن الجدل لم ينشأ من هذا الجانب، بل من نسب المشاركة في العائدات والعقود مع المشغل، وهو ما يستدعي التمييز بين مفهومين مختلفين:

الملكية السيادية: تعني ملكية الغاز في باطن الأرض (50% لكل دولة)."

"موريتانيا والسنغال تملكان الحقل بالتساوي، أي إن أي غاز يخرج من البحر تُقسم أرباحه الصافية مناصفة بين البلدين.

أما ملكية الاستثمار أو عائدات الشركاء: فتعني كيفية تقاسم الأرباح بعد الاستخراج وفق العقود مع الشركات الوطنية الممثلة للدولة."

  

 "استخراج الغاز، خصوصًا من الحقول البحرية أو المشاريع الكبرى، يتطلب استثمارات ضخمة جدًا قد تصل إلى مليارات الدولارات، وذلك بسبب الحاجة إلى بناء منصات بحرية، وحفر الآبار، وإنشاء أنابيب النقل، إضافة إلى محطات المعالجة والتسييل والبنية التحتية المرتبطة بالمشروع. ولهذا تلعب الشركات الدولية الكبرى دورًا أساسيًا، لأنها تمتلك القدرة المالية والتكنولوجية والخبرة اللازمة، وتتحمل جزءًا كبيرًا من المخاطر.

في حين تدخل الشركات الوطنية مثل PETROSEN وSMH كشركاء في المشروع من خلال امتلاك حصص فيه، والمساهمة في تمثيل مصالح الدولة، وأحيانًا المشاركة في التمويل. غير أن هذه المشاركة لا تكون دائمًا عبر دفع كامل حصتها منذ البداية، بل غالبًا ما يتم تمويل حصتها من طرف الشركاء الآخرين فيما يعرف بآلية “carry”، على أن يتم استرجاع هذه التكاليف لاحقًا من عائدات الإنتاج. وبالتالي فإن دور الشركات الوطنية يكون مزيجًا من الملكية الاستراتيجية والمشاركة التدريجية في التمويل، إلى جانب ضمان استفادة الدولة من الموارد الطبيعية.

السنغال اختارت، عبر شركتها الوطنية PETROSEN، أن تساهم بنسبة أكبر في تكاليف الإنتاج لتأخذ حصة أكبر من “عائدات الشركاء”، بينما اختارت موريتانيا، عبر شركتها الوطنية SMH، نسبة أقل لتقليل المخاطر المالية عليها.

قبل دمج الحقلين في مشروع واحد (GTA/Ahmeyim)، كانت شركة BP وشركة Kosmos تعملان في بلوكات بحرية منفصلة في كل بلد. وعند توقيع اتفاقية “الوحدة” (Unitization) لدمج الحقل المشترك، كانت للسنغال ترتيبات تعاقدية تمنح شركتها الوطنية حصة 10%، بينما استقرت حصة موريتانيا عند 7%.

وهنا يلزم التوضيح بأن الدخول كشريك بنسبة أعلى يعني التزامًا بدفع مبالغ أكبر في “تكاليف التطوير”. وقد قررت السنغال رفع حصتها في المرحلة الأولى لتعظيم استفادة شركة PETROSEN على المدى الطويل، وهو قرار استثماري بحت يعتمد على الميزانية المخصصة لكل شركة وطنية.

من المهم هنا تفصيل المراحل الأساسية لتقاسم الأرباح:

1. استرداد التكاليف (Cost Oil/Gas)

أول كميات غاز يتم بيعها لا تذهب أرباحًا للدول، بل تُستخدم لسداد المليارات التي دفعتها شركتا BP وKosmos لبناء المنصة العائمة (FLNG) وحفر الآبار. ويتم اقتطاع نسبة متفق عليها من العائدات لتغطية “الديون” والتكاليف التشغيلية.

2. تقسيم “غاز الربح” (Profit Gas)

بعد خصم التكاليف، يتبقى ما يسمى بـ”غاز الربح”. هذا الجزء هو الذي يتم تقسيمه بالتساوي (50/50) بين السنغال وموريتانيا كحق سيادي.

• نصيب موريتانيا (50%): تأخذه الدولة الموريتانية (عبر وزارة المالية والبنك المركزي).

• نصيب السنغال (50%): تأخذه الدولة السنغالية.

3. أرباح الشركات الوطنية (الحصص التجارية)

هنا يأتي دور النسب المثيرة للجدل (10% للسنغال و7% لموريتانيا):

• شركة PETROSEN (السنغال) تأخذ حصة من الأرباح التجارية بصفتها “شريكًا مستثمرًا” بنسبة 10% لأنها دفعت أكثر في مراحل التطوير.

• شركة SMH (موريتانيا) تأخذ حصة بنسبة 7% لأنها اختارت نهجًا أكثر تحفظًا وأقل مغامرة.

• بقية الأرباح التجارية تذهب لشركتي BP وKosmos لأنهما تحملتا العبء الأكبر من التمويل والمخاطر.

إذا كان هذا الجانب لا يدعو للقلق، بحسب ما تبين، فإن هناك زاوية أخرى لم تحظَ بالنقاش الكافي، وهي الأهم في تقديري. فعند تتبع مسار الغاز منذ استخراجه من أعماق البحر، مرورًا بعمليات المعالجة والتسييل، وصولًا إلى التصدير، يتضح أن السنغال تبنّت مقاربة أكثر طموحًا على مستوى الاستفادة المحلية. فقد حرصت على الحصول على جزء من الغاز الخام لتغذية اقتصادها الداخلي، سواء عبر توليد الكهرباء بالغاز، أو إنتاج غاز البوتان لتقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على المواطنين، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بنصيبها من عائدات التصدير.

في المقابل، تتركز استفادة موريتانيا بشكل أكبر على العائدات المالية الناتجة عن التصدير، دون إدماج واسع للغاز في الدورة الاقتصادية المحلية حتى الآن. وهذا الفارق لا يظهر مباشرة في الأرقام، لكنه يتجلى في الأثر الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد. فالدول التي تستثمر مواردها في الداخل تسهم في خلق قيمة مضافة، ودعم قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة، وتوفير فرص عمل، بينما يظل الاعتماد على العائدات المالية وحدها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق." 

"وإذا نظرنا إلى الإطار الجبائي، نجد أيضًا فروقات تستحق التأمل، سواء من حيث الضرائب والرسوم المفروضة على المشغل، أو حجم الإعفاءات الضريبية الممنوحة لتشجيع الاستثمار في المراحل الأولى من المشروع. هذه الإعفاءات، وإن كانت مبررة في بداية المشاريع الكبرى، فإن كيفية إدارتها وتوقيتها تلعب دورًا مهمًا في تعظيم الفائدة الوطنية.

ولعل المقارنة الأكثر دلالة وعمقًا لا تتعلق بالعقود ولا بالنسب، بل بكيفية توظيف الفرص المصاحبة. فقد قدّم المشغل مساهمة مالية على شكل هبة لكلا البلدين في إطار المسؤولية الاجتماعية، بلغت عدة ملايين من اليوروهات.

في السنغال، تم توجيه هذا الدعم إلى إنشاء وتجهيز معهد متخصص في تكوين الكفاءات في مجال النفط والغاز (IPNG)، مع العمل على تأطير وتكوين الكوادر التدريسية فيه. ويساهم هذا المعهد سنويًا في رفد سوق العمل بكفاءات محلية مؤهلة، ويمنح الشباب فرصًا حقيقية للاندماج المهني، حيث يحصل العديد من الطلبة على عروض عمل حتى قبل التخرج، نظرًا للطلب المتزايد على هذه التخصصات."

 

"أما في موريتانيا، فقد تم توجيه المبلغ إلى إنشاء وتجهيز مركز للتواصل عن بُعد بمواصفات تقنية عالية، مع تجهيزات مستوردة بالكامل من الخارج، وبإعفاءات ضريبية بحكم طبيعته كمشروع مدعوم. وقد تم تنفيذ المشروع من خلال شركة أجنبية (بعقد باطني مع شركة محلية)، كما أُسندت مهمة المراقبة الفنية إلى مكتب دولي متخصص، أجنبي طبعًا.

ورغم جودة التجهيزات من حيث المبدأ، فإن ضعف الاستخدام وغياب الصيانة الدورية أدّيا، مع مرور الوقت، إلى تراجع فعاليته، حتى أصبحت بعض معداته خارج الخدمة. واليوم، في كثير من الأحيان، يبدو المركز وكأنه ينتظر نشاطًا لم يأتِ بعد، أو دورًا لم يحن بعد!"

 

"هذه المفارقة تحمل دلالة رمزية واضحة، تعكس خللًا في ترتيب الأولويات، وتكشف غياب الانسجام بين التخطيط والتنفيذ، وبين الرؤية المعلنة والاستراتيجية المتبعة؛ بين استثمار يبني الإنسان وآخر يركز على البنية دون ضمان استدامة الاستفادة.

ومع ذلك، ورغم هذه الاختلالات، يبقى الأمل قائمًا في تصحيح المسار وتعظيم الاستفادة من هذا المورد الاستراتيجي، شريطة تبني رؤية طويلة الأمد، ثابتة لا تتأثر بتغير الأشخاص أو الحكومات. فإدارة الموارد الطبيعية ليست سباقًا قصير المدى، بل مشروع أجيال، يتطلب وضوحًا في الأهداف، واستقرارًا في السياسات، واستثمارًا حقيقيًا في الإنسان قبل كل شيء، مع ترجمة ذلك إلى تنفيذ فعلي ينسجم مع هذه التوجهات.

وفي النهاية، نؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة. وحقل GTA ليس سوى فرصة؛ إما أن تُدار بكفاءة فتشكل نقطة تحول، أو تُهدر فتتحول إلى فرصة ضائعة."

 

المهندس/ اعل سالم ولد السالك