ترامب وفشل سياسة الانتصار بالرعب!!

ترامب وفشل سياسة الانتصار بالرعب.. قراءة في الأسباب والنتائج.

ذِكر أمريكا وحدها، بجيشها وترسانتها وتكنولوجيتها... كاف أن يبث الرعب في قلوب خصومها وأعدائها.

فكيف إذا تحالفت مع إزرايل، واستعملت قواعدها المبثوثة في كل مكان، واستعانت بحلفائها...؟

فكيف إذا كان يحكمها رئيس مجنون، يؤمن بسياسة "نصرت بالرعب"، وبمبدا "القوي يأكل الضعيف" و "قانون الغاب"، ودوس القوانين والمؤسسات والأعراف الدولية بقدميه، معروف بالكذب والغدر والصعلكة والبلطجة والتقلبات والمفاجآت التهديدات، وتنفيذها في كثير من الأحيان؟

لاشك أن خصومه في هذه الحالة سيتساقطون من تلقاء أنفسهم، كأوراق التوت.

التهديدات التي سمعناها قبل يوم، من محو إيران من الخريطة، إلى إنهاء حضارتها بالكامل. هي واحدة من أساليب الانتصار بالرعب، التي يستعملها ترامب، وكان من الممكن أن يفعل ذلك، لولا موانع كثيرة.

لكن قبل التطرق لتلك الموانع، أريد أن أسجل أولا فرحي وسعادتي، بخبر انتهاء الحرب، وكنت أستغرب من بعض من كانوا يشجعون هذا الطرف أو ذاك، كأنهم يشاهدون مقابلة في كرة القدم. الكثير من الاغبياء والبلداء، كانوا يتمنون استمرار الحرب أطول مدة ممكنة، بعضهم يظن أنه بطول مدة الحرب، سينهزم عدوه، والبعض الآخر، تحت شعار اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، يظن أن الحرب ستستنزفهما معا، وسيخرج هو منتصرا.

لايظن هؤلاء البلداء، أن الحرب يدفع ثمنها الجميع، حتى من لايشاركون فيها، بل حتى الأفراد العاديين البعيدين جدا عن ساحتها، وقد جربت السفر خلال هذه الحرب، ورأيت تعقيدات الوضع في المطارات، ومشاكل الرحلات، وغلاء الوقود بالنسبة لمن يسافر بسيارته، وكذا غلاء الكثير من المواد الاستهلاكية، وانقطاع بعضها. هذا والحرب في بدايتها لم تتوسع، ونحن بعيدون عنها بآلاف الكيلومترات، فما بالك بالشعوب القريبة منها!!

أما بالنسبة لتهديد ترامب بإنهاء الحضارة الإيرانية، فقد أحزنني ذلك التهديد، لأن كل إنسان سوي، يرى أن الحضارات الإنسانية، ملك للناس جميعا، وكنز ينبغي الحفاظ عليه، للأجيال القادمة، لكنني كنت مطمئنا أنه لن يقدر، لأن الحضارة الفارسية، ليست أكبر منه، بل أكبر من بلاده كلها، فهي ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وأسهمت وأثرت ليس فقط في محيطها، بل في العالم كله، وأضافت للبشرية الشيء الكثير، واستفادت منها الحضارة الغربية نفسها، في السياسة والإدارة والعلوم والثقافة والفن والعمارة والدين والفلسفة...

إن أول مانع جعل ترامب لاينفذ تهديده، هو الصمود الأسطوري لإيران، وقدرتها على اللعب بأوراق مختلفة. ففي الوقت الذي كان الجميع يراهن على انتهاء مخزونها من الصواريخ والمسيرات، فاجأت العالم بورقة مضيق هرمز، فلوت ذراع ترامب، إلى أن سمع الجميع صراخه، وبدأ يفاوض فقط على فتح المضيق، تحت ضغط شعبه وحلفائه.

ثاني مانع: هو رفض حلفائه الأوروبيين لهذه الحرب، وامتناع كثير منهم الدخول معه فيها، بل وعدم سماح بعضهم، لطائراته أن تمر عبر أجوائهم.

ثالث مانع: الشعب الأمريكي الذي انتفض ضد رئيسه المجنون المقامر.

رابع مانع: استهداف إيران لحلفاء أمريكا ومصالحها في المنطقة.

وهكذا لم تستطع أمريكا محو إيران من الخريطة، ولا إنهاء حضارتها، ولا إسقاط النظام، ولا دفعها للاستسلام.

كل ما استطاع ترامب فعله هو تنفيذ اغتيالات لقادة عسكريين وسياسيين، لكن كل ذلك لم يؤثر في النظام الإيراني، بل اعتبره بمثابة تجديد لقيادته، خاصة أن مخزون القيادات كمخزون الذخيرة، معقد ومتجدد وغامض.

شخصيا كنت ممن توقع سقوط النظام، لأسباب كثيرة منها أن الشعب الإيراني سيثور عليه، ثانيا لأنني رأيت كيف انتهت حم//س، وكيف تفكك وتضعضع حزب الله، وثالثا كيف تدخلت أمريكا في فنزويلا بكل سهولة، وكيف اختطفت رئيسها، ورابعا للتواجد الأمريكي المكثف في المنطقة، والقواعد المنتشرة في الخليج وتركيا وسوريا وباكستان... بشكل يحاصر إيران من كل جانب، خامسا لاعتقادي أنه يمكن تسليح المعارضة المسلحة والدفع بها في معركة برية...

لكن اتضح أن إيران ليست هي فنزويلا، التي يدخل الأمريكيون إلى غرفة نومه ليلا ويختطفونه، ولا يعلم أحد مصيره إلا صباحا.

إن صمود إيران أمام كل أوراق القوة الأمريكية هذه، وإفشالها لكل تلك المخططات، وتحويل القواعد الأمريكية المنتشرة، من أوراق قوة، لأوراق ضعف، لايمكن وصفه إلا بالانتصار، رغم خسائرها وهزائمها على مستويات أخرى.

نعم لايمكن الجزم بانتصار طرف، ولا هزيمة طرف آخر، جميع الأطراف التي خاضت الحرب حققت انتصارات، ومنيت بهزائم، المنهزمون الوحيدون هم الذين كانوا ساحة حرب يتفرجون.

وإذا انتهت الحرب على هذه الحالة، فإن إيران ستبرز كقوة إقليمية، وربما يكون وضعها أفضل بكثير من وضعها قبل الحرب.

أما دول الخليج، فبعد أن رأت أن لا أحد سيحميها من إيران، فإنها إما ستخضع وتزيد التصاقا بأمريكا وتبعية لها، أو ستتحرر من هذه التبعية وتنوع حلفائها وشركائها، ولاتبقى رهينة لتقلبات مزاج رؤساء أمريكا.

بالنسبة لإزرايل فإنها لن تقبل بهذه النتائج، لأنها تريد إسقاط النظام، وتقييد إنتاج إيران للصواريخ، لكنها لن تستطيع فعل أي شيء مع إيران بدون أمريكا، لذلك أعتقد أن غزة هي التي ستدفع الثمن، سيرجع نتنياهو لغزة لينتقم منها، ويكمل انتصاره الذي لم يحققه في إيران، وربما يفعل نفس الشيء مع لبنان، إذا لم تتدخل إيران، خاصة أن الأخبار متضاربة بخصوص هل الاتفاق يشمل لبنان أم لا (ينبغي الانتباه والاحتياط من كثرة الإشاعات، وبنود الاتفاق المكذوبة والمزورة التي تروج في مواقع التواصل).

قد تتخلى إيران عن أذرعها، وبالنسبة لي هذه ليست خسارة، خاصة إذا فاوضت على ذلك، مقابل امتيازات لها. وستكون تلك الأذرع مجرد خطوط دفاع إيرانية متقدمة، تضحي بنفسها، لكي تبقى النواة والمركز سليما.

لكن أهم وأخطر النتائج في تقديري، تلك التحولات العقدية والأيديولوجية التي ستحدث في المنطقة، في فئة الشباب، المنبهر بصمود إيران، حيث ستتربع إيران كبطل لمدة طويلة، مما قد ينتج عن ذلك موجة تشيع عقدي وسياسي، تشبه موجة الإلحاد التي جاءت بعد الربيع العربي وظهور د//عش.

الكاتب/ مصطفى الحسناوي