تعيش إسرائيل حالة من الصدمة والقلق بعد الإعلان عن خطوة عربية وإسلامية مفاجئة، قد تُغير وجه المنطقة بأكملها، وتدفن أحلام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ببناء شرق أوسط جديد من خلال الحروب الطاحنة والدامية التي أشعلها في المنطقة.
فيبدو أن الحروب التي أشعل نيرانها نتنياهو، لن تأتي بالنتائج التي كانت تتمناها إسرائيل، فهذه التطورات الساخنة أجبرت الكثير من الدول على البحث عن طرق وخطط بديلة تنعش اقتصادها بعيدًا، عن الطرق التقليدية التي تتأثر بسرعة بأي تطورات في المنطقة وهو ما راهنت عليه “تل أبيب”.
خامنئي عربي قح وديمونا مقابل فوردو و"فتاح" يغير المعارك وترامب يورط أمريكا والرد الإيراني جاهز
ودفعت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وما خلّفته من ارتدادات واسعة على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، خصوصًا بعد تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط سياسية في قلب معادلة الصراع، مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة النظر في خرائط النقل والتجارة وسلاسل الإمداد، والبحث عن مسارات بديلة تقلّل من هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية.
وبرز مؤخرًا الممر البري للنقل والتجارة الواصل بين دول الخليج وأوروبا، عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، باعتباره أحد المسارات البديلة التي قد تحمل تداعيات استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، فالمشروع، وفق التصورات المطروحة، لا يوفّر فقط طريقًا جديدًا لحركة البضائع بين آسيا وأوروبا، بل يعيد ترتيب أدوار الجغرافيا السياسية في المنطقة، ويمنح دول العبور موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات التجارة والطاقة واللوجستيات.
وقد أثار هذا الطرح قلقًا واضحًا في الأوساط الإسرائيلية، انعكس في تحذيرات الإعلام العبري من المشروع المستند إلى إحياء أجزاء من “سكة حديد الحجاز” التاريخية، حيث تصفه الصحف الإسرائيلية بأنه “يتجاوز إسرائيل”، وينافس الممر الاقتصادي الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي المعروف باسم IMEC، والذي تراهن عليه تل أبيب لتعزيز مكانتها كمحطة تجارية ولوجستية مركزية بين الخليج وأوروبا.
وإذا ما تُرجم هذا المشروع إلى خطوات عملية ملموسة، رغم ما يواجهه من عقبات أمنية وسياسية وتمويلية، فلن يكون مجرد منافس تجاري لممرات قائمة أو مقترحة، بل قد يتحول إلى أداة لإعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، إذ من شأنه أن يضع لاعبين جددًا في قلب حركة العبور والتبادل.
وسائل إعلام إسرائيلية أقرت بنجاح استراتيجي وتاريخي أحرزته تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، من خلال إبرام اتفاقية ضخمة مع المملكة العربية السعودية لإعادة إحياء “خط سكة حديد الحجاز التاريخي” ونقل البضائع، وهو المشروع الذي تجاوز إسرائيل بالكامل وأصاب الدوائر السياسية والاقتصادية في تل أبيب بحالة من “الذعر” والصدمة.
وفي مقال تحليلي بارز نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، سلطت الضوء على اتفاقيات التعاون اللوجستي وبناء السكك الحديدية الموقعة بين أنقرة والرياض في 9 يونيو/حزيران الجاري، مؤكدة أن “أردوغان نجح مجدداً في تحويل الأزمات والكوارث الإقليمية المحيطة به إلى مكاسب جيوسياسية بعيدة المدى”.
وكشفت الصحيفة العبرية أن المسار المخطط لخط السكة الحديدية الجديد خالٍ تماماً من أي مدينة أو نقطة إسرائيلية. وأوضحت أن الرياض، التي كانت قد تقاربت مع تل أبيب سابقاً لربط حركتها التجارية عبر “ميناء حيفا” ضمن مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن عام 2023، غيرت تفضيلاتها بالكامل واستدارت نحو تركيا نتيجة الحروب الإقليمية المستعرة.
وأكد التقرير أن مشروع (IMEC) المدعوم أميركياً -والذي كان يستهدف جعل إسرائيل مركزاً تجارياً لا غنى عنه في الشرق الأوسط- قد انهار تماماً ولم يتعافَ منذ حرب غزة والتوترات الإقليمية، ليحل محله مباشرة الممر “السعودي – التركي” ليكون خط الإمداد البديل والآمن.
يهدف المشروع الشامل الذي تبلغ تكلفته الاستثمارية 5.5 مليار دولار أمريكي (وحصل بالفعل على التزام مالي بقيمة 750 مليون دولار من بنك التنمية الآسيوي) إلى تأمين سلاسل التوريد الخليجية وتفادي مضيق هرمز الذي يعاني من الإغلاق والاضطرابات.
وينطلق من إسطنبول – يمر عبر سوريا (حلب ودمشق) – الأردن – معبر الحديثة الحدودي في السعودية. ويهدف إلى الامتداد مستقبلاً ليصل إلى سلطنة عُمان والمحيط الهندي.
ويختصر وقت شحن البضائع من 30 يوماً عبر البحر إلى أقل من أسبوعين برّاً.
وعقّبت الصحيفة بالقول: “بهذا الممر الذي يعيد إحياء الرؤية العثمانية، حققت تركيا منطقة نفوذ طاغية تمتد جغرافياً وسيليكونياً من مضيق البوسفور وصولاً إلى عمق البحر الأحمر”.
وجاء في سياق المقال العبري نبرة اعتراف حادة بذكاء المناورة التركية، حيث كتبت “يديعوت أحرونوت”:بينما كان الجيش الإسرائيلي يقاتل ويستنزف قواه على جبهات متعددة في غزة ولبنان وإيران، أمضى أردوغان هذه الفترة يفعل ما يجيده تماماً؛ تحويل الكارثة الإقليمية إلى مكسب استراتيجي كسر به العزلة وضمن ألا تكون تركيا هي الطرف المُستبعد هذه المرة”.
واختتمت الصحيفة بالتحذير من أن التدفقات المليارية عبر شبكة القطارات التركية، وافتتاح البنوك التركية في دمشق، وحركة الشاحنات السعودية، ليست مجرد صفقات تجارية عابرة، بل هي صياغة عملية لأوتاد ونظام إقليمي جديد سيحكم الشرق الأوسط للعقد المقبل، مكرسةً مقولة: “أردوغان لم يعد إلى الساحة فحسب، بل أصبح هو الساحة نفسها”.
وتزداد حساسية هذا المشروع حين يُقرأ ضمن سياق أوسع من التحركات الإقليمية، سواء عبر ممرات بديلة أو شبكات تعاون جديدة تتشكل بعيدًا عن المسارات التي اعتادت واشنطن وتل أبيب هندستها أو التأثير فيها، فتل أبيب، التي استفادت طويلًا من خريطة إقليمية جامدة ومن مقاربات تقليدية كبّلت قدرة دول المنطقة على تطوير بدائلها الخاصة، تجد نفسها اليوم أمام مشهد أكثر سيولة، تتداخل فيه حسابات الاقتصاد والجغرافيا والطاقة مع إعادة تشكيل التحالفات.
ومن هنا، فإن القلق الإسرائيلي لا ينبع من الممر في ذاته فحسب، بل من دلالته السياسية الأوسع، حيث احتمال تشكل خريطة إقليمية جديدة لا تكون إسرائيل في مركزها، ولا تمر كل خطوط الربط الكبرى عبر بوابتها، وهذا تحديدًا ما يجعل المشروع، في نظر تل أبيب، جزءًا من تحول استراتيجي قد يحد من قدرتها على توظيف الاقتصاد والبنية التحتية لترسيخ نفوذها الإقليمي.
فهل سيتكمل هذا الحلم؟ ومن سيستفيد منه؟ وهل سيقلب المنطقة؟
رأي اليوم


