مَن هو "أبو يونس" الموريتاني الذي الْتَقى بن لادن في أفغانستان وأطلق سراحه بالأمس ضمن السلفيين الذين شملهم عفوٌ رئاسي؟

"في قاعة صغيرة داخل السجن المدني في العاصمة نواكشوط، وأمام عدد من العلماء، تلا عبد الرحمن محمد الحسين بياناً باسم 14 سجيناً أعلنوا فيه توبتهم من أفكار “الغلو” و“التطرف”، والتزامهم بالحفاظ على أمن البلاد، في خطوة جاءت بعد سلسلة من جلسات الحوار مع هيئة من كبار العلماء الموريتانيين.

وخلال السنوات الماضية، خضع هؤلاء السجناء، من بينهم محكومون في قضايا مرتبطة بالإرهاب، لجولات حوار ونقاشات فكرية وشرعية، تناولت قضايا الحاكمية والجهاد والولاء والبراء، قبل أن يعلنوا مراجعة مواقفهم السابقة.

ومن بين الموقعين على البيان يبرز اسم عبد الرحمن محمد الحسين، القيادي السابق في تنظيم القاعدة، الذي ارتبط اسمه لسنوات بعدد من العمليات والهجمات المنسوبة إلى التنظيم في أكثر من بلد، بينها باكستان وموريتانيا.

وفي عام 2011، أعلنت جهات غربية، بينها البيت الأبيض، توقيفه في باكستان، وارتبط اسمه في تقارير إعلامية غربية بمخططات استهدفت مواقع ومصالح في أوروبا، من بينها ما عُرف إعلامياً بـ“مؤامرة اليورو”.. فمن هو عبد الرحمن محمد الحسين؟

بوادر التحول

ولد عبد الرحمن ولد محمد الحسين في مكة المكرمة عام 1965، أثناء أداء والدته فريضة الحج؛ وعاش طفولته في المملكة العربية السعودية، حيث درس القرآن الكريم في المدينة المنورة.

وعادت أسرته لاحقاً إلى موريتانيا، فواصل دراسته في المحظرة، حيث درس التفسير والحديث والفقه وأصوله والعقيدة واللغة العربية والبلاغة والمنطق والفرائض والتجويد.

وخلال دراسته العلوم الشرعية متنقلا بين موريتانيا والسعودية، كان العالم يعيش ذروة المد الجهادي العربي الذي قاده أسامة بن لادن ضد القوات السوفيتية في أفغانستان."

  

"ومع انسحاب السوفييت من أفغانستان وهزيمتهم، وسيطرة حركة طالبان على الحكم، بقي عدد من المجاهدين العرب في جبال تورا بورا، قبل أن يعلن أسامة بن لادن تأسيس تنظيم القاعدة وبدء الحرب على الغرب.

وانتشرت أشرطة بن لادن المسجلة ومقابلاته المصورة والمكتوبة، التي كان يشرح فيها رؤيته للعالم الإسلامي وينتقد أوضاع الدول الإسلامية. وكان حديثه يجذب عدداً من الشباب، من بينهم عبد الرحمن ولد محمد الحسين.

ويقول إنه سمع للمرة الأولى عن تنظيم القاعدة عبر إحدى القنوات الإخبارية التي كانت تروج لمقابلة مع زعيم التنظيم أسامة بن لادن بعنوان: “رجل ضد دولة ودولة ضد رجل”. ويضيف أن المقاطع الترويجية للمقابلة استمالته، لكنه لم يتمكن من مشاهدة الحلقة أو إعادتها بسبب سفره مع أسرته.

وبعد ذلك، تعرف على أحد الموريتانيين الذي كان يمتلك أشرطة وفيلماً يتحدثان عن التنظيم وقائده، فشاهدهما، ما أثار اهتمامه ودفعه إلى الاعتقاد بأن ما كان يسعى إليه من خلال الدراسة والبحث “قطع فيه المجاهدون أشواطاً”، على حد تعبيره.

رأى في التنظيم “مخلصاً للأمة”، فبدأ يتردد على صاحب الفيلم للاستفسار عن التنظيم وهيكلته. وحدثه الأخير عن أفغانستان وأسامة بن لادن، قبل أن يطلب منه ترتيب طريق للالتحاق بالتنظيم.

مصافحة بلادن

وسافر المجند الجديد، المتشبع بالفكر المتشدد، إلى باكستان بعد حصوله على قبول جامعي في مدينة كراتشي، حيث سجل في إحدى الجامعات هناك، قبل أن يتوجه إلى أفغانستان ويلتحق بمعسكر الفاروق قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 بنحو شهر ونصف الشهر.

في أحد أيام الصيف الحارة بين جبال أفغانستان، دخل قائدا التنظيم، أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، إلى معسكر الفاروق. وهناك شاهد عبد الرحمن ولد محمد الحسين الرجلين عن قرب للمرة الأولى.

استمع بإنصات إلى محاضرة ألقاها الظواهري تناولت أهمية “القرآن في مواجهة المحن”، فيما تحدث بن لادن عن “الاستشهاد والسمع والطاعة والالتحاق بصفوف التنظيم”."

 

"وكان ذلك قبل ثمانية أيام من هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001؛ فقد صافح بن لادن والظواهري، قبل أن يختفيا، ولم يلتق بهما مجدداً بعد ذلك التاريخ.

الجماعة السلفية

وعاد عبد الرحمن، المكنى بأبي يونس، إلى موريتانيا، وبدأ البحث عن تأسيس فرع للتنظيم في البلاد، ولم تكن المهمة سهلة، لذلك سافر مع أحد رفاقه إلى الجزائر، حيث التحق بالجماعة السلفية للدعوة والقتال أواخر عام 2003.

أصبح لاحقاً من قيادات الجماعة، التي كلفته بالسفر إلى أفغانستان وأخذ البيعة من التنظيم المركزي، مستفيداً من شبكة العلاقات التي كوّنها خلال الفترة التي قضاها في معسكر الفاروق.

وبحسب تقارير وتحقيقات، شارك أبو يونس الموريتاني في الهجوم الذي نفذته الجماعة السلفية للدعوة والقتال على الحامية العسكرية في المغيطي شمال موريتانيا في أبريل/نيسان 2005، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 عسكرياً موريتانياً وإصابة 17 آخرين.

وبعد الهجوم، صعّدت السلطات الموريتانية حربها على تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به، وبرز أبو يونس، وفق تلك التقارير، باعتباره أحد العقول المدبرة للعملية، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تعميم صورتين له، إحداهما تعود إلى عام 2003 والأخرى إلى عام 1996.

وتمكن الرجل من التخفي والتنقل باستخدام عدة جوازات سفر، متنقلاً بين الجزائر ومالي والسودان، ثم أفغانستان وباكستان، في وقت كانت الأجهزة الأمنية تلاحقه وتبحث عنه.

مؤامرة اليورو

واستقر أبو يونس في باكستان عام 2009، حيث تشير تقارير إلى أنه كُلّف من قبل أسامة بن لادن بالتخطيط لاستهداف أهداف ذات أهمية اقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا.

وذكرت مجلة “دير شبيغل” الألمانية أن إحدى الوثائق السرية التي صادرتها القوات الأمريكية من منزل أسامة بن لادن تضمنت مخططاً أعده أبو يونس الموريتاني، يستهدف الاقتصاد الأوروبي وأهدافاً حيوية في ألمانيا.

وفي عام 2011، أعلنت الشرطة الألمانية إحباط مخطط لتنفيذ هجوم إرهابي واعتقال ثلاثة أشخاص قالت إن أبا يونس الموريتاني قام بتجنيدهم.

وصنفت دوائر استخبارات غربية الرجل باعتباره من المقربين إلى أسامة بن لادن، ومن أفراد الدائرة الضيقة التي كانت تتبادل معه المعلومات والمراسلات، ما جعله محط اهتمام الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

السقوط في كويتا

وفي سبتمبر/أيلول 2011، تمكن الجيش الباكستاني، بمساعدة الاستخبارات الأمريكية، من اعتقاله في ضواحي مدينة كويتا جنوب غربي البلاد. 

وقالت السلطات إن بن لادن كان قد كلفه مباشرة بالتخطيط لعمليات تستهدف “أهدافاً اقتصادية مهمة” في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا."

 

"وسلمت باكستان أبا يونس إلى الجيش الأمريكي الذي نقله إلى قاعدة باغرام في أفغانستان، حيث خضع للتحقيق، قبل أن يتم تسليمه إلى موريتانيا عام 2013 إلى جانب معتقلين آخرين.

وفي أبريل/نيسان 2015، أدانه القضاء الموريتاني بالانتماء إلى تنظيم القاعدة وإقامة صلات مع تنظيمات جهادية نفذت عمليات أودت بحياة عدد من الأشخاص، وحكم عليه بالسجن النافذ لمدة 20 عاماً.

وبعد عقود قضاها في تنظيم القاعدة، متمسكاً بما كان يسميه “العمل الجهادي”، ظهر أبو يونس بلحية كثة وطويلة حاملاً ورقة تلا منها إعلان توبته من تلك الأفكار، متحدثاً باسم 13 سجيناً سلفياً.

وقال أبو يونس في خطابه: “كنا على خطأ وانحراف عن الجادة، وكان من أسباب ذلك وجود إشكالات في مسائل معينة، وصغر السن، وقلة التجربة، وغياب التوجيه السليم، فنتج عن ذلك الخطأ”.

وأضاف أنهم، بعد نقاشات مع علماء حول عدد من القضايا، من بينها الحاكمية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، راجعوا الأفكار التي كانوا يؤمنون بها، وجددوا توبتهم منها."

 

"وأصدر الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، أمس الجمعة، العفو عن تسعة تسعة مدانين من إجراءات عفو وتخفيف عقوبات، بعد مراجعات فكرية أجراها سجناء على خلفية قضايا مرتبطة بالتطرف.

وأضافت أن هذه الإجراءات جاءت بعد استكمال حوارات علمية أشرف عليها علماء موريتانيون بتوجيه من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بهدف مراجعة الأفكار المتطرفة لدى عدد من السجناء وإقناعهم بالتخلي عنها.

ووفق البيان، أفضت تلك الحوارات إلى إعلان عدد من السجناء توبتهم وتراجعهم عن مواقفهم السابقة، مع طلب الصفح عما تسببوا فيه من أضرار للدولة والمجتمع، وإبداء استعدادهم للاندماج مجدداً في الحياة العامة."

  

عن/ صحراء ميديا