ولد الأديب أحمد محمود ولد اجويده حوالي سنة 1932 في ضواحي منطقة گيمي، وينتمي إلى قبيلة إديانك العريقة، وتحديدا إلى فخذ أهل اعدي.
تلقى تعليمه الأول في إحدى المحاظر التقليدية، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم درس علوم اللغة العربية والفقه والسيرة النبوية. وتأثر بالبيئة الثقافية الحسانية الموريتانية التي تمتاز بالفصاحة وقوة الارتجال، فبرز مبكرا في المجالس والملتقيات الأدبية، وعرف بسرعة بديهته، وقوة ارتجاله، وتمكنه من الأدب الحساني.
تنقل ولد اجويده في ربوع الوطن، ومن أبرز المناطق التي أقام فيها: بورثيم، واتويدكنين، وأگان، وأم شيش، وگيمي.
وكان أول ما قاله من الأدب الحساني وهو لم يبلغ سن البلوغ، أثناء زيارة لمقبرة التوميات برفقة والدته رحمها الله، حيث ارتجل طلعته المشهورة:
امنادم جال التوميات @ واللَّ تاك اعليهم توگات
واجبر ذاك امن الغريبات @ مافبلدهم كون ارگوگه
واللَّ فظله لزريبيات @ اعليهم صفي مرشوگه
وُشاف الباطن من ذا محشِ @ والزيرة منهم مقلوگه
يعرف بعدنك مانك شى @ يالدنيا وَنَّك ممروگه
ثم غادر بعد ذلك إلى ولاية اترارزة، حيث أقام فترة مع الأديب محمد ولد محمد اليدالي في ضواحي بتلميت، وكان رفيقه الدائم في المجالس الأدبية.
وفي إحدى ليالي الشتاء، حضرا مجلسا أدبيا كانت فيه إحدى الفنانات تردد النحية المشهورة: "أني... أني... أني..."، فلم يبدع فيها أحد سوى فارسي الأدب الحساني: أحمد محمود ولد اجويده ومحمد ولد محمد اليدالي.
فأنشد أحمد محمود ولد اجويده:
عند المعط مانتراب @ بالفظه واكسور افرني
وِلكالو نرخس ناب @ ممبت العيدان أن ي...
وكان محمد ولد محمد اليدالي سندا وعونا لرفيق دربه أحمد محمود ولد اجويده، فشكره بهذه الطلعة:
محمد هون إكود انبط @ كيفو ول افذا بعد الخط
محمد اليدالي ماكط @ ريناه افذا الخلق التالي
خالط ياسر زين إورط @ منشى متعدل متوالي
معلوم امغنى مستخلط @ شاعر ذاتو زين قالي
وقال أيضا:
محمد باط الول -اطفل- @ محمد اليدالي مالي
كون انكول أنو باط الول @ -اطفل- محمد اليدالي
وقال فيه كذلك كافا من "لبير":
طاني لبسه ماكنت شاك @ اعلنو عاطهالي
واعطهالي لعاد ذاك @ هو معطاه التالي
بعد ذلك غادر إلى ولاية آدرار، وأقام فيها مدة من الزمن، وكان من رواد المجالس الأدبية التي كان يحييها أمير آدرار سيد أحمد ولد أحمد عيده.
ثم عاد إلى ولاية لبراكنة، وفي ضواحي ألاك التقى بالأديب الشيخ ولد مكين، وبينما كان الشيخ يعد الشاي ناوله كأسا منه، فقال أحمد محمود ولد اجويده:
أتاي اللي مطلع ماه @ اعل مولى يزوزلي
وتاي اللي مطلع ماه @ اعل مولى يزوزلي
فقال له الشيخ ولد مكين:
"الكاف فيه الليط."
فما كان من أحمد محمود ولد اجويده إلا أن ارتجل في الحال طلعته المشهورة، حتى قال الشيخ ولد مكين بعد سماعها إنه لم يصدق أنها قيلت ارتجالا، لما امتازت به من جودة السبك، وسرعة الخاطر، وسلاسة العبارة:
بدع ابلا موجب مشتهر @ بيه إلى نحكه ينتصر
وافي منو ماتنذكر @ بينى ويَّاه اخطيط
كون المنو ماتنجبر @ فيه الحد اتقيليط
كولانو كاع إعود كود @ اعلي غير الليط
منو مولانا ماتعود @ فيه إلراد الليط
وبعد مدة طويلة، سمع الشيخ ولد مكين أن أحمد محمود ولد اجويده غادر لبراكنة، فقال مقولته المشهورة:
"لو كان ولد اجويده اتسع افلبراكنه، ما تنجبر امعاه كلمة من الحسانية."
ولم تكن هذه الشهادة إلا تعبيرا عن المكانة الأدبية التي بلغها أحمد محمود ولد اجويده، فقد كان أحد أعلام الأدب الحساني الذين جمعوا بين سرعة الارتجال، وقوة الحجة، وجزالة اللفظ، وسعة الاطلاع على معجمات اللهجة الحسانية.
وقد أبدع في مختلف أغراض الأدب الحساني، من التوحيد، والتوسل، والبكاء على الأطلال، والغزل، والحكمة، والتوجيه، وترك تراثا أدبيا ظل متداولا بين الرواة والأدباء.
ومن غزله:
أهل الريم التنزار @ يالعكلل وذيك أخبار
ذوك الى من لفطار @ بن تمات إيلود
طاني عنهم خطار @ مولانا من جود
كالو عنهم لاه @ شور أكان إعود
والحمد لله @ مادام الوجود
ومن توحيده:
وقت نتخمم فامر الرب @ ماني متمونك مشقب
تلحكنى دواما تنصب @ دمعة من عين مسكوبه
اونعكب زاد املي ننطب @ شور السقر اونكطع جوبه
فامر السقر اونعرف نعكب @ فيه امنين انمض نوبه
عن هذا كامل تاثير @ ل الله اوشور لعكوبه
اونعرف زاد انو غافير @ ذنبي وقابل التوبه
ومن أدبه في التوجيه:
حد املك لعبيد ولخدم @ والبل والبكران ولغنم
وافسغرو تم افذاك اليم @ إلين الحك منتهاه
عمر ضاع افتعدال الهم @ ماه فيمن هو الله
لحكو فاخرتو يتخمم @ غرت بيه الدنيا راه
لحكو مولان يحجل @ عاد ويوحل فنتباه
وتوب ويعرف عن كل @ شيء هالك إلا هو
وقال أيضا:
حد الظهر من أمور شد @ كيمي فوك اجمل حارم
لروح اعرارم مايكد @ يكون إروح اعرارم
ومن أجمل ما قال في التوسل:
يالله المد ألا مدك @ بيدك والسند ألا سندك
والرزق اعل منهج عندك @ لعبيدك له منهجي
اللى مرت إجى من عندك @ مدك وجى بالمرتجي
لا ملجأ يكون العنـدك @ وانت خير من يرتجى
جيبنا فرج حقيقي @ رحمه فاخر ذا الضيق اتجى
ياربي آخر الضيق @ هو أول الفرجى
وقد كانت نخبة الأدباء في ذلك الزمن تتحاشى مساجلته، لما عرف به من قوة الحجة، وفصاحة اللسان، وسعة الاطلاع على معجمات اللهجة الحسانية، حتى أصبح اسمه يفرض هيبته في المجالس الأدبية، ويحسب له كبار الشعراء والأدباء ألف حساب.
كما عرف بأنه لم يكن يعترف بما كان يسمى آنذاك بـ"الأشياخ"، وهو ما جر عليه مضايقات من بعض أفراد محيطه الاجتماعي، فاضطر إلى مغادرة ولايته وهو في ريعان شبابه، ولم يعد إليها - فيما نعلم - بعد ذلك.
ولم يكن أحمد محمود ولد اجويده مجرد شاعر مجيد أو أديب سريع الخاطر، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في الأدب الحساني، يجمع بين قوة اللفظ، وعمق المعنى، وسرعة الارتجال، حتى أصبحت مساجلته أمرا يتحاشاه كثير من أدباء عصره، إدراكا منهم لمكانته الأدبية وتمكنه من معجمات اللهجة الحسانية.
وبعد سنوات، وردت أخبار تفيد بأنه كان يقيم في إحدى بوادي الحوض الشرقي، بمنطقة فصالة انيره، حيث تفرغ لتدريس القرآن الكريم في إحدى المحاظر، جامعا بين رسالة التعليم والعبادة، بعد أن ذاع صيته في ميادين الأدب والشعر.
ثم جاء خبر آخر يفيد بأنه سافر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وهي آخر الأخبار الموثقة التي وصلت عنه.
ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره، ولم يعرف على وجه اليقين أين استقر به المقام، ولا متى كانت وفاته، إلا أن أثره الأدبي بقي حيا في صدور الرواة، وعلى ألسنة الأدباء، وفي ذاكرة المهتمين بالأدب الحساني.
لقد كان أحمد محمود ولد اجويده واحدا من أولئك الأدباء الذين منحوا الأدب الحساني بعدا جديدا، فجمعوا بين الفطرة الأدبية، والثقافة المحظرية، وسرعة الارتجال، وقوة البيان، حتى استحق أن يذكر في طليعة أعلام الأدب الحساني في موريتانيا.
رحم الله الأديب أحمد محمود ولد اجويده رحمة واسعة، وجزاه عن الأدب الحساني وأهله خير الجزاء، وجعل ما خلفه من علم وأدب في ميزان حسناته.
من صفحة عبد العزيز ،،الكناش،،


