"قيادة الاوطان بأمان ونزاهة مسؤولية جسيمة، بماتقتضيه من حكمة وعدل وتضحية وتطبيق القانون علي الجميع ومحاربة الفساد والمفسدين ومن أخطر ماتواجهه الأوطان تحول ثرواتها إلى لعنة على شعبها. فموريتانيا، التي أنعم الله عليها ببحر زاخر بالأسماك، وباطن أرض غني بالحديد والذهب والنحاس، وانضمت إلى قائمة الدول المنتجة للنفط والغاز، ما زال أغلب مواطنيها يعيشون تحت وطأة الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية.
هذا التناقض الصارخ يفرض سؤالا لا يمكن الهروب منه: أين تذهب ثروات موريتانيا؟
لقد تعاقبت الحكومات، وتعاقبت معها الوعود، لكن المشهد بقي على حاله؛ موارد هائلة، ومؤشرات تنموية متواضعة، وفجوة متسعة بين ثراء البلاد وفقر سكانها. ويرى كثير من المراقبين أن السبب يكمن في استمرار ضعف الحوكمة، وسوء التسيير، وغياب المحاسبة، بما يسمح باستنزاف المال العام وإهدار الفرص التنموية.
إن الثروة السمكية، التي تعد من أغنى الثروات في إفريقيا، لم تتحول إلى رافعة اقتصادية تحقق الأمن الغذائي وتخلق فرص العمل بالقدر الذي ينتظره المواطنون. كما أن عائدات الحديد والذهب والنحاس والنفط والغاز ما زالت محل تساؤلات واسعة حول مصير مردوديتها ومدى انعكاسها على حياة الناس، في ظل استمرار الفقر والعجز عن توفير أبسط الخدمات.
وفي قطاع التعدين الأهلي، تتكرر اتهامات نشطاء ومستثمرين بسطاء يتهمون نافذين مقربين من النظام ودوائره بالاستيلاء علي مجاهرهم واستغلالها لصالحهم اوبيعها احيانا لنافذين اخرين محميين من الدولة ، وهي شكاوي سمعناها من المتضررين في وقفاتهم التي ينظموها من وقت لأخر تستدعي تحقيقات مستقلة وشفافة، بما يضمن حماية حقوق المواطنين ومعاقبة من ظلموهم واستولو علي اراضيهم التي كلفتهم الكثيرين أن رفع الظلم علي المظلومين وتطبيق القانون علي الجميع لإحقاق الحق وتعزيز الثقة بين القمة والقاعدة.
لا تنهض الدولة بثرواتها وحدها، وإنما بطريقة إدارتها. وعندما تغيب الشفافية، وتضعف الرقابة، وتتراجع المحاسبة، يصبح الفساد بيئة خصبة لابتلاع مقدرات الوطن، ويتحول المال العام من وسيلة لبناء المدارس والمستشفيات والطرق إلى مورد تستفيد منه شبكات النفوذ، بينما يبقى المواطن خارج معادلة التنمية.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى ثورة حقيقية في الإدارة والحوكمة؛ دولة تحمي المال العام، وتفرض الرقابة على كل الصفقات، وتخضع جميع المسؤولين للمساءلة دون استثناء، وتضمن أن تكون ثروات البلاد ملكا لجميع الموريتانيين لا امتيازا لفئة قليلة من النافذين الإنتهازيين المحميين من الدولة.
فالأوطان لا تنهب فقط عندما تستخرج ثرواتها بلا عدالة، بل تنهب أيضا عندما يحرم المواطن من حقه في نصيبه العادل من تلك الثروات، وعندما يصبح الفساد أقوى من القانون، والمصلحة الخاصة أعلى من المصلحة الوطنية."
"محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي"


