"خريطة التأمين الصحي في موريتانيا..."

"ليس من السهل أن يشعر المواطن بأثر الإصلاحات الكبرى في حياته اليومية كما يشعر بها عندما يمرض أحد أفراد أسرته. ففي تلك اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال بسيطًا ومصيريًا: من سيتحمل كلفة العلاج؟

ومن هنا تبرز أهمية التحول الذي عرفه التأمين الصحي في موريتانيا خلال عهد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؛ تحول لا تختصره زيادة عدد المؤمن عليهم، وإنما تعكسه أيضًا توسعة الفئات المستفيدة، واتساع الخدمات المغطاة، ودخول فئات كانت خارج مظلة التأمين، في مسار يتجه تدريجيًا نحو التغطية الصحية الشاملة.

أكثر من الضعف في ست سنوات

الأرقام وحدها تكشف حجم التحول.

ففي سنة 2019، كان عدد المنتسبين إلى الصندوق الوطني للتأمين الصحي يبلغ 422,975 مؤمنًا.

وبحلول سنة 2025، ارتفع العدد إلى 870,091 مؤمنًا؛ أي بزيادة تقارب 447 ألف شخص، وبنسبة تجاوزت 105%، ليصبح عدد المؤمن عليهم لدى الصندوق أكثر من ضعف ما كان عليه عند بداية العهد.

وهذه ليست مجرد زيادة إحصائية؛ إنها تعني أن مئات آلاف الموريتانيين أصبحوا أقرب إلى منظومة حماية تحول دون أن يتحول المرض إلى عبء مالي يفوق قدرة الأسرة.

لكن الأهم من الرقم هو من هم هؤلاء المستفيدون؟

من الموظف إلى الفئات الأكثر هشاشة.

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في فلسفة التأمين الصحي، فلم يعد الاهتمام مقتصرًا على الموظفين والعاملين في القطاع النظامي، بل امتد إلى فئات اجتماعية أوسع.

فقد أبرمت الدولة اتفاقية مع برنامج «تآزر» لتوفير التأمين الصحي لـ 100 ألف أسرة فقيرة، أي ما يقارب 600 ألف شخص، في واحدة من أكبر عمليات توسيع الحماية الصحية للفئات الهشة.

كما توسعت التغطية لتشمل الأرامل والأصول المباشرين للمؤمن عليهم، بعد أن ظل حق الوالدين في الاستفادة من التأمين منصوصًا عليه قانونيًا دون تطبيق فعلي لسنوات.

وشملت التغطية كذلك طلاب التعليم العالي العمومي، بأكثر من 50 ألف طالب وذوي حقوقهم، إضافة إلى برامج خاصة لذوي الإعاقة، استفاد منها نحو 4 آلاف شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة وذوي حقوقهم.

إنها نقلة مهمة في مفهوم الحماية الاجتماعية: الدولة لا تنتظر أن يكون المواطن موظفًا أو قادرًا على تحمل الاشتراك حتى تحميه من المرض، بل بدأت تتجه إلى حماية من هم أكثر حاجة إلى الحماية.

ماذا يغطي التأمين الصحي؟

الإنجاز لا يقاس بعدد البطاقات، وإنما بما تقدمه تلك البطاقة عندما يحتاج صاحبها إلى العلاج.

وهنا توسعت سلة الخدمات بشكل ملموس.

ففي الاستشفاء تصل نسبة التكفل إلى 90% لدى المؤسسات المتعاقدة، بينما تصل في العلاج الخارجي إلى 80%، وتشمل الاستشارات الطبية العامة والمتخصصة، والفحوص والتحاليل، والتصوير الطبي، وبعض خدمات طب الأسنان وإعادة التأهيل.

أما الأدوية المشمولة بالقائمة المعتمدة، فتصل نسبة تغطيتها إلى 67% وفق التعريفة والشروط المعمول بها.

وفي الحالات التي يتعذر علاجها داخل البلاد، تتيح المنظومة الإجلاء الطبي إلى الخارج، وقد تصل التغطية إلى 100% في الحالات المستوفية للشروط الطبية والإجراءات المعتمدة.

كما تشمل المنظومة حالات طويلة الأمد وخدمات إعادة التأهيل وغسيل الكلى وفق الضوابط المحددة.

وهكذا لم تعد بطاقة التأمين مجرد وسيلة للحصول على تخفيض في فاتورة الطبيب؛ بل أصبحت مدخلًا إلى منظومة متكاملة من العلاج والتشخيص والاستشفاء والدواء والتكفل بالحالات المعقدة.

صندوق التضامن... توسيع دائرة الحماية

ومن التحولات المهمة كذلك إنشاء الصندوق الوطني للتضامن الصحي، ليكون آلية لتوفير التأمين للفئات العاملة في القطاع غير المصنف وغير المستفيدة من نظام التأمين الإجباري.

وهنا تتضح الصورة أكثر: فالدولة تعمل على بناء أكثر من مسار للتغطية الصحية، بحيث تشمل المنظومة الموظفين والعاملين، والفئات الفقيرة والهشة، والطلاب، والأرامل، وذوي الإعاقة، والعاملين في القطاع غير المصنف.

إنها محاولة لبناء شبكة حماية صحية وطنية متعددة المداخل بدل ترك فئات واسعة خارج النظام.

من التوسع إلى الرقمنة

ولم يتوقف التطور عند توسيع قاعدة المستفيدين، بل رافقته جهود لتحديث إدارة التأمين ورقمنة الخدمات، وتحسين الرقابة الطبية، وتطوير العلاقة بين الصندوق والمؤسسات الصحية والصيدليات المتعاقدة.

فالهدف لم يعد فقط أن يكون المواطن مؤمّنًا على الورق، وإنما أن يستطيع الوصول إلى الخدمة بسرعة ووضوح وبأقل قدر ممكن من التعقيد الإداري.

إنجاز كبير... وطريق لم ينته

ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الإنجازات لا يعني الادعاء بأن موريتانيا وصلت إلى التغطية الصحية الشاملة.

ففي نهاية 2024، كانت الجهات الرسمية تشير إلى أن أكثر من نصف السكان ما زالوا خارج التغطية الصحية، وهو ما يعني أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن المرحلة المقبلة تتطلب موارد أكبر، واستثمارات في المستشفيات والمراكز الصحية، وتوسيع شبكة مقدمي الخدمات، وتحسين جودة العلاج.

لكن قياس المسافة المتبقية لا ينبغي أن يحجب المسافة التي تم قطعها.

فبين 422,975 مؤمنًا سنة 2019 و870,091 سنة 2025، وبين منظومة محدودة نسبيًا ومنظومة بدأت تضم الفقير والطالب والأرملة وذوي الإعاقة والأصول المباشرين للمؤمن عليهم، حدث تحول حقيقي في فلسفة الحماية الصحية.

د محمد الأمين شريف أحمد."