هل كانت "المغرب جزءاً من موريتانيا" أم العكس؟ (التوضيح التاريخي)

إن النقاش حول الأصول التاريخية والجغرافية والسياسية في بلدان المغرب الكبير غالباً ما يتداخل فيه العمق الأثنولوجي (العرقي-القبلي) مع الكيانات السياسية الحديثة التي تشكلت في القرن العشرين.

الوقائع التاريخية التي ذكرتها عن يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين وعلاقة مجالات الصحراء (منطقة موريتانيا الحالية ومجال صنهاجة) بالمغرب والأندلس هي وقائع صحيحة من حيث المتن التاريخي، ولكن تفسيرها واستنتاج "الأحقية السياسية" أو "التبعية" يحتاج إلى تفكيك علمي وموضوعي بعيداً عن لغة التخوين أو الاستقطاب السياسي المعاصر.

أولاً: التحليل التاريخي والتأصيل الجذري لدولة المرابطين وموطنها

الأصول الصحراوية وصنهاجة:تاريخياً، انطلقت حركة المرابطين من أقصى الصحراء الكبرى ومنطقة الترارزة ونهر السنغال ومجال موريتانيا الحالية، عبر قبائل لمتونة وجذالة ومسوفة (التي تشكل مجموعات صنهاجة الصحراء).أسس الشيخ عبد الله بن ياسين رباطه في جزيرة على المحيط الأطلسي في  السواحل الموريتانية مازالت موجودة )، ومن هناك انتشرت دعوتهم الإصلاحية والمذهبية المالكية.

بناء مراكش وامتداد المجال:أسس يوسف بن تاشفين مدينة مراكش سنة 1062م لتكون عاصمة وقاعدة عسكرية للخلافة المرابطية.امتدت إمبراطورية المرابطين بالفعل من نهر السنغال جنوباً إلى الأندلس شمالاً، ومن المحيط الأطلسي غرباً إلى أجزاء من المغرب الأوسط (الجزائر حالياً).

طبيعة الدولة في العصور الوسطى (مفهوم "الوطن" مقابل "البيعة"):في العصور الوسطى (قرون الحادي والثاني عشر الميلادي)، لم تكن مفاهيم الدول الوطنية الحديثة موجودة بالطريقة الحالية.كانت الشرعية تُبنى على البيعة الدينية، المذهب الفقهي، والعصبية القبلية. ولذلك، فإن قبائل صنهاجة الصحراوية هي التي أسست الدولة وتمددت شمالاً، تماماً كما جاءت لاحقاً قبائل لمتة وزناتة ومصمودة لتؤسس الدول المتعاقبة (الموحدون، المرينيون، السعديون، العلويون).

ثانياً: هل كانت "المغرب جزءاً من موريتانيا" أم العكس؟ (التوضيح التاريخي)

الخلط بين الجغرافيا التاريخية والدولة الحديثة:إطلاق اسم "موريتانيا" تاريخياً كان يطلق جغرافياً على إقليم أوسع (Mauritania Tingitana و Mauritania Caesariensis في العصر الروماني، والتي شملت أجزاء واسعة من المغرب والجزائر)، بينما الدولة الموريتانية الحديثة (جمهورية موريتانيا الإسلامية) تأسست رسمياً في منتصف القرن العشرين (1960).في عصر المرابطين، كان المجال بين نهر السنغال ومراكش والأندلس مجالاً إسلامياً واحداً متصلاً بلا حدود سياسية بالمعنى الحديث. القبائل التي أسست الدولة انطلقت من الجنوب الصحراوي (موريتانيا الحالية) واستقرت وأسست الحاضرة السياسية في مراكش. إذن، الجذور البشرية الأولى لزعامة المرابطين هي من الجنوب الصحراوي، بينما الحواضر الكبرى والدولة المركزية امتدت في المغرب والأندلس.مدينة فاس ومجالات النفوذ:مدينة فاس تأسست على يد إدريس الثاني (الأدارسة) قبل ظهور المرابطين بقرون، ولكن المرابطين سيطروا عليها وأدخلوا عليها تعديلات معمارية وعمرانية كبرى (مثل الجامع الكبير والجامع الموحدي/المرابطي فيها)، باعتبارها جزءاً من بلاد المغرب الأقصى الذي وحدوه تحت سلطة واحدة.

ثالثاً: تفكيك الجدل الإقليمي والمعاصر

إن إسقاط الصراعات السياسية والدبلوماسية المعاصرة على وقائع قبل ألف عام يؤدي غالباً إلى قراءات مشوهة:

الطرف الأول (الذي يتبنى البعد المغربي البحت): يركز على أن مراكش وفاس وأغلب حواضر المرابطين والإمبراطوريات الإسلامية كانت مقراً للحكم المركزي، وأن المجال المغربي هو امتداد تاريخي للدولة المركزية المغربية المتوارثة.

الطرف الثاني (الذي يتبنى الجذور الصحراوية / الموريتانية): يركز على أن النواة الصلبة الأولى التي صنعت تلك الإمبراطورية (ابن تاشفين، لمتونة، صنهاجة الصحراء) نشأت في تراب موريتانيا الحالية، وبالتالي فإن الإرث البشري يعود لتلك الجذور.

الخلاصة العلمية: التاريخ الإسلامي في الغرب الإسلامي هو تاريخ مشترك وتكامل حضاري بين حواضر الشمال (فاس، مراكش، تلمسان، قرطبة، إشبيلية) وبوادي وأصقاع الجنوب ( الصحراء، شنقيط، وادان، مجالات صنهاجة). ادعاء ملكية مطلقة وطرد الطرف الآخر من دائرة التاريخ يعبر عن إسقاطات سياسية آنية على ماضٍ كان فيه الإنسان يتحرك بولائه للدين والقبيلة لا بحدود جوازات السفر الوطنية.

بقلم/ الياس محمد