بينما يعود أزواد إلى قلب الأحداث، تبدو قراءة المفكر الراحل محمد يحظيه ولد بريد الليل، رحمه الله، أكثر راهنية مما كانت عليه، ربما، يوم كُتبت. فالرجل لا يتعامل مع أزواد بوصفه منطقة بعيدة على هامش الخريطة، بل كعمق شرقي لموريتانيا، وكجزء من المجال الصحراوي الذي تتداخل فيه القبائل والمسارات والمصالح والمخاطر.
في مقاله العميق المنشور على منصة الحسانية، يستعيد ولد بريد الليل تجربة كبّولاني ليقول إن المستعمر الفرنسي فهم مبكرا أن أي سياسة تجاه موريتانيا لا يمكن أن تتجاهل أزواد. فقد بدأ كبّولاني استطلاعه من هناك، وقرأ البلاد من خلال امتداداتها الشرقية، مدركا أن الصحراء ليست فراغا، وأن الحدود فيها لا تُغلق بخطوط مرسومة على الورق.
ومن هذه الزاوية يوجه الكاتب نقدا قاسيا للدولة الموريتانية الحديثة، التي تجاهلت أزواد لعقود طويلة، رغم الجوار الجغرافي والتجانس الاجتماعي والامتدادات التاريخية. ولم تنتبه إلى خطورة ما يجري هناك إلا بعد انفجار الأوضاع فيه في سياق الأزمة المالية، يقول:
"كان لا بد من انفجار الارهاب كي نستيقظ على أزواد، إننا نكتشفه كما لو أنه كان متاخما لمنغوليا، وأصبح فجأة على حدودنا ، وكأن جدارا كان يمنعنا من الرؤية ويحجب عنا الأصوات، قد انهار مع إعلان استقلال أزواد من طرف الحركة الوطنية لتحرير أزواد".
ويذهب ولد بريد الليل أبعد من ذلك في تشخيص الخطأ السياسي لحكامنا، فينتقد عقل السلطة حين يستغني عن المشورة، ويعيش في عزلة الغرور، فالدولة التي لا تسمع مبكرا تضطر غالبا إلى الاستيقاظ على صوت الانفجار.
كما يربط المقال بين ملف أزواد وملف الصحراء الغربية، باعتبارهما من القضايا التي أثرت في موريتانيا بعمق، بينما جرى التعامل معهما أحيانا بمنطق إدارة اللحظة لا برؤية استراتيجية بعيدة الغور.
ما يجعل المقال مهما اليوم أنه يذكّرنا بأن أمن موريتانيا لا يبدأ عند آخر نقطة حدودية، بل في فهم المجال المحيط بها: أزواد، الصحراء الغربية، الامتدادات الاجتماعية، وحركة التاريخ في الصحراء الكبرى.
رحم الله محمد يحظيه ولد بريد الليل؛ كان من القلائل الذين يقرأون خريطة منطقتنا ومجالنا الحيوي بعين المفكر الاستراتيجي، لا السياسي الهاوي.
من صفحة محمد غلام ولد محمدو


