خبير اقتصادي يرد على الوزير ولد ابوه وينتقد مقاله عن الوزير الأول

"كنت أتوقع من مسؤول تولى حقيبة الاقتصاد والمالية ولو ليوم واحد أن يقدم للرأي العام تحليلاً اقتصادياً متوازناً، لا مرافعة سياسية مغلفة بمصطلحات اقتصادية.

لقد بدأت التدوينة بالتأكيد على أن الإقتصاد ليس علماً دقيقاً، لكنك سرعان ما قدمت إستنتاجاتك وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش، فاختزلت أزمة إقتصادية معقدة في سبب واحد، وقدّمت خيارات السياسة العامة وكأنها لا تحتمل إلا طريقاً واحداً هو الطريق الذي تدافع عنه.

إن أكبر إخلال في طرحك يتمثل في تصوير زيادة أسعار المحروقات وكأنها السبب الوحيد أو الرئيسي للتضخم، متجاهلا أن التضخم ظاهرة متعددة الأسباب تتداخل فيها العوامل الدولية وأسعار الواردات وسعر الصرف والسيولة النقدية وتكاليف النقل والطلب المحلي. ولو كان الأمر بهذه البساطة لما عجزت أكبر الإقتصادات في العالم عن السيطرة عليه خلال السنوات الأخيرة.

ثم إنك تقدم الدعم الشامل للمحروقات باعتباره الحل الأمثل، دون أن توضح للرأي العام من أين سيتم تمويل هذا الدعم، ولا ما هي كلفته على الميزانية العامة، ولا كيف سيتم تعويض الإيرادات التي تدعون للتخلي عنها. فالمشكلة ليست في

 إ قتراح الإنفاق، بل في تحديد مصادر تمويله بصورة مستدامة.

والأغرب من ذلك أنك تنتقد المشاريع التنموية والإستثمارية وتصف بعضها بصورة توحي بأنها ليست أولوية، بينما تشيد في مواضع أخرى بمشاريع بنية تحتية ضخمة ممولة من الخزينة العامة. فهل أصبح الاستثمار العمومي محموداً عندما يتعلق بمشاريع معينة ومذموماً عندما يتعلق بمشاريع أخرى؟ أم أن المعيار هنا سياسي أكثر منه إ قتصادي؟

أما حديثك عن غياب الرؤية والفساد باعتبارهما التفسير الوحيد لتأخر بعض المشاريع الإستراتيجية، فهو حكم خطير يفتقر إلى الأدلة التي تبرره. 

فالتحليل الإقتصادي لا يقوم على إطلاق الإتهامات، بل على الوقائع والأرقام والتقارير الموثقة.

وفي موضوع "السيادة المالية"، يبدو أنك خلطت بين مفهوم السيادة ومفهوم الإنغلاق الإقتصادي. 

فكون الإ قتصاد العالمي مترابطاً لا يعني إنتفاء مفهوم السيادة المالية أو الإقتصادية. وإلا لكان علينا أن نقول إن جميع الدول، بما فيها الولايات المتحدة والصين وفرنسا، فقدت سيادتها لأنها تتعامل مع الأسواق العالمية وتلجأ إلى الاقتراض وتمويل الإستثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب.

لقد استشهدت بأرقام الدين الأمريكي لإثبات إستحالة السيادة المالية، بينما تثبت التجربة الأمريكية نفسها العكس؛ إذ أن جوهر السيادة المالية لا يتمثل في غياب الدين، بل في قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الإقتصادية بحرية وتأمين موارد تمويلها وفق مصالحها الوطنية.

كما أن حديثك عن غياب التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي يحتاج إلى قدر أكبر من الإنصاف. فإختلاف أدوات السياسة النقدية والمالية لا يعني بالضرورة غياب التنسيق، لأن لكل مؤسسة أهدافها واختصاصاتها، وقد تتطلب إدارة الاقتصاد أحياناً قرارات تبدو متعارضة على المدى القصير لكنها متكاملة على المدى المتوسط والطويل.

وأخيراً، فإن الرأي العام لا يحتاج اليوم إلى سجال للفت الإنتباه بل يحتاج إلى نقاش جاد حول كيفية زيادة الإنتاج الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

أما تحويل كل نقاش إ قتصادي إلى لفت الإنتباه، فلن ينتج سوى مزيد من الضبابية وإبعاد النقاش عن جوهر التحديات الحقيقية التي تواجه البلد.

 

الخبير الاقتصادي محمد محمود لحبيب"