"قرر الشرع تعظيم حرمات الله على وجهٍ عام، وجعل ذلك من دلائل التقوى وصلاح القلوب، قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾.
كما خصّ المساجد بمزيد عناية وتعظيم، فقال سبحانه:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾،
وجاء في السنة أن النبي ﷺ قال:
«إن هذه المساجد إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن».
فهذه النصوص تؤسس لأصلٍ واضح، وهو أن للمساجد وظيفة شرعية مخصوصة، وأن تعظيمها لا يتحقق بمجرد حسن النية، وإنما بمراعاة مقاصد الشارع فيما أُذن به فيها، وما نُهي عنه.
ولا خلاف أن عقد الزواج مطلوب شرعًا، ومندوب إليه من حيث الجملة، لما يترتب عليه من مصالح الدين والمجتمع، غير أن هذا الطلب الشرعي لم يعلّقه الشارع بمكان مخصوص، فلم يرد في النصوص ما يدل على تخصيص المسجد بإبرام عقد النكاح، لا أمرًا ولا استحبابًا ولا توجيهًا.
بل إن الأصل في العقود أنها تُبرم حيث تتهيأ شروطها وتنتفي محاذيرها، مع حفظ الآداب العامة، دون أن يُحمل المسجد ما لم يُجعل له. فالمسجد لم يُعيَّن لكل عبادة، وإنما عُيِّن لعبادات مخصوصة، وضُبطت حرمته بسياج من النهي عن كل ما يُخرجُه عن مقصده، ولو كان في أصله مباحًا أو مشروعًا.
ومن هنا يظهر أن إبرام عقود الزواج في المساجد، إذا ترتب عليه تشويش، أو اختلاط، أو رفع أصوات، أو تحويل المسجد إلى فضاء اجتماعي، فإنه يُنافي مقصود التعظيم، ولو رُفع له شعار البركة أو الإشهار؛ لأن التعظيم الحقيقي هو في التخصيص لا في التوسيع، وفي الصيانة لا في الاستعمال الرمزي.
إن الإشكال القائم اليوم ليس في مشروعية العقد، بل في مكانه وصورته الواقعية، حيث تُستدعى هيبة المسجد لتغطية ممارسات لا تنسجم مع وظيفته، فيتحول التعظيم من التزام عملي إلى مجرد مظهر.
ومن هذا المنطلق، فإن على القطاع الحكومي المعني بالشؤون الإسلامية أن ينتبه إلى هذا الخلل، وأن يعمل على ضبط استعمال المساجد وفق مقاصدها الشرعية، حفاظًا على حرمتها، ومنعًا لتسييلها في الأعراف الاجتماعية، بما يضمن بقاء المسجد فضاءً خالصًا للعبادة، لا ساحةً مفتوحة لكل ما هو مشروع في غيره.
الأستاذ الفقيه محمد الصحّة ديدي"


