يُحكى – والعِبرة فيما يُحكى لا فيما يُروى – أن لصًا سرق تيسًا، ثم أراد أن يُضفي على فعلته مسحة “شرعية” فأرسل ابنه ليبيعه في السوق. وأثناء انهماك الابن في مساومة زبون، ظهر لصٌّ آخر، أكثر خفة يد وأسرع بديهة، فسرق التيس المسروق، وعاد الابن إلى البيت بخُفَّي حُنين.
وحين سأله الأب: بكم بعتَ التيس؟
أجاب الابن ببراءة لا تخلو من فجيعة: بعته برأس المال.
هكذا، في جملة قصيرة، اختُزلت المأساة: لا ربح، ولا خسارة في الحساب… لكن التيس ضاع، والبيت خَلَا، والعار بقي.
هذه الحكاية، لو نُفض عنها غبار التراث، لبدت مرآة صافية لواقع نعرفه جيدًا في مجتمعنا الموريتاني. كم من “تيس” تغيّر مالكه بين أيدٍ كثيرة، كلٌّ يسرقه من الذي قبله، ثم يقف الأخير ليُقسم أنه “لم يخسر شيئًا” لأنه باع برأس المال!
لكن أي رأس مال؟ رأس مال المال أم رأس مال القيم؟ رأس مال الخزينة أم رأس مال الثقة؟
في حياتنا العامة، كثيرًا ما نُدار بعقلية الابن المسكين: ننشغل بالمساومة الشكلية، بالتصريحات، بالأرقام المُعلبة، بينما التيس الحقيقي – التنمية، العدالة، هيبة القانون – يُسحب من تحت أيدينا في وضح النهار. ثم نعود إلى بيوتنا السياسية أو الاجتماعية بخفيّ حنين، ونعلن بوجه جامد: الأمور تحت السيطرة… لا خسائر تُذكر.
والأطرف – أو الأوجع – أن كل لصٍّ في السلسلة يرى نفسه أقل سوءًا ممن سبقه. الأول يقول: أنا سرقتُ تيسًا لا أكثر. والثاني يقول: أنا فقط استعدت ما هو مسروق أصلًا. وفي النهاية، يضيع التيس، ويتحول السوق إلى مسرح عبثي، الكل فيه رابحٌ بالكلام، خاسرٌ بالنتيجة.
أما “الفاكهة” في قصتنا، فهي ذلك التبرير المحلي اللذيذ:
المرحلة صعبة
الظرف استثنائي
المهم أننا لم نخسر
وكأن عدم الاعتراف بالخسارة يُعيد التيس إلى الحظيرة! وكأن بيع الوهم برأس المال يُغني عن حقيقة الإفلاس الأخلاقي أو الإداري.
الخلاصة؟
المجتمعات لا تُقاس بقدرتها على تبرير الفشل، بل بقدرتها على حماية “تيوسها” من التداول بين اللصوص. لأن أخطر ما في القصة ليس سرقة التيس، بل الاقتناع الجماعي بأن العودة بخفيّ حنين تُسمّى صفقة متوازنة.
وفي موريتانيا، كما في الحكاية، سيظل السؤال معلقًا:
هل نريد سوقًا نظيفًا… أم مجرد رواية جميلة عن
بيعٍ لم يحدث؟
تحياتي
"عبد الله ولد محمد ولد الحيمر"


