عبد الوهاب ولد الشيقر.. رائد الصحافة والإذاعي المحنك
---------------------------------------------
في المنشور الأخير على هذه الصفحة، حول «ميلاد الصحافة المكتوبة الموريتانية»، نقلنا عن المختار ولد داداه قوله إن هذه الصحافة «لم يكن لها وجودٌ قبل شهر نوفمبر 1959»، وإنه «بفضل حيوية وإخلاص الشاب الموريتاني المبدع عبد الوهاب ولد الشيقر، وشابٌّ آخر مِن (التعاون الفرنسي) هو جان ماري ويتزل، تم إصدار أول جريدة موريتانية هي (موريتانيا الجديدة)».
لكن مَن هو عبد الوهاب ولد الشيقر؟
في مقال قيم تحت عنوان «الناجح الأول في أول مسابقة لاكتتاب معلمي اللغة العربية في عهد الاستعمار»، يحدثنا الإداري بدن ولد سيدي عن عبد الوهاب ولد الشيقر، ومشاركته في المسابقة التي نظمتها الإدارة الاستعمارية، في مايو 1955، بغية اكتتاب معلمين للغة العربية في المدارس النظامية الفرنسية المنتشرة في البلاد، بعد أن كادتْ تلك الوظيفة تكون حكراً على بعض الجزائريين المستجلبينَ من «خارج الحدود».
وممن شارك في المسابقة شاب حديث عهد بالمغرب الأقصى، حيث نشأ ودرس، وقد حاول بعضُ أقربائه في اندر (سينلوي) ثنيَه عن خوض المسابقة إلى جانب كوكبة من العلماء الموهوبين، لكنه لم يأبه لمحاولاتهم وقرر خوض المغامرة.
وبينما كان حديثُ الناس منصباً على هذه المسابقة وعلى مشاركة ذلك الشاب فيها، جاءت البشارة المدوية مع المختار ولد دادَّاه القادم لتوه من العاصمة الفرنسية. فقد جاء من هناك بالخبر اليقين حول نتائج المسابقة، أي بلائحة الناجحين الأربع عشرة (14) التي زوّدته بها لجنة الامتحانات الفرنسية التي قالت له إنها لن تكون لائحةً نهائيةً إلا بعد صدورها في الجريدة الرسمية لإفريقيا الغربية الفرنسية. وكانت دهشة الناس كبيرة عندما علموا أن متصدّر الناجحين هو نفسه ذلك الشاب العنيد الطموح عبد الوهاب ولد الشيقر، الذي سبق أن درس في محاضر السوس بجنوب المغرب حيث يتجلى النبوغ المغربي في أوضح صوره!
وهذه هي لائحة الناجحين مرتبة حسب الاستحقاق:
1- عبد الوهاب الشيگر (سان لويس)
2- محمد عبد الرحمان ولد يحظيه ولد عبد الودود (بوتلميت)
3- البراء ولد ألمين سيدي (المذرذرة)
4- سيدي محمد فال ولد سيديا (بوتلميت)،
5- أحمد سالم ولد باگَّا (المذرزرة)
6- ابراهيمْ (شغالي) ولد أحمد محمود (أطار)
7- الشيباني ولد محمد ولد أحمد (كيهيدي)
8- الدنبجه ولد معاويه (بوتلميتْ)
9- الطيب ولد بلاَّلْ (ألاگْ)
10- سيدي محمد ولد آبَّ (المذرذره)
11- المختار ولد محمد (سان لويس)
12- موسى ولد سيدي الشيخ (ألاگْ)
13- محمد ولد حبيْني (ألاگْ)
14- عبد الله ولد الشيخ المحفوظ ولد بيّه (تمبدغه)
وكما يذكر بدنّ في مقاله، فقد «تم تحويل المعلّم المتفوق عبد الوهاب الشيقر إلى المدرسة الابتدائية في المجرية في تگانتْ في السنة الدراسية 1955-1956، وكانت تلك فرصة له عظيمة ليس لتدريس اللغة العربية فحسبْ وإنما ليتعلم هو نفسه اللغة الفرنسية من خلال دفاتر ودروس ابنه الطفل سيدي محمد المسجل في السنة الأولى من المدرسة الابتدائية».
ثم بعد ذلك «لم يلبث أن استدعاه المختار بن دادَّاه (بإيعاز من المختار بن حامد)، فعمل معه في اندر مديراً للإعلام مشرفاً على أول جريدة رسمية تصدر باللغتين تحمل اسم (موريتانيا)».
وكما يشير المختار ولد داداه في مذكراته فإن «موريتانيا الجديدة» التي كانت تَصدر بشكل غير منتظم، خلفتها، بداية من مارس 1960، جريدة «الشعب» الأسبوعية التي كان لولد الشيقر إسهامٌ كبير في إبصارها النور.
ويعلق المختار على صدور الجريدة الجديدة بقوله: «وهكذا بدأنا نشعر بالارتياح، لأننا أصبحنا نتقدم شيئاً فشيئاً على طريق التخلص من التبعية المزدوجة لفرنسا بوصفنا إحدى مستعمراتها، وللسينغال باعتبارنا مقاطعةً من مقاطعاتها».
لكن في العام التالي، نجح عبد الوهاب، وبجدارة مرة أخرى، في مسابقة تم تنظيمها لدخول معهد الدراسات العليا لما وراء البحار في باريس. وكما يوضح بدنَّ، فقد تخرج عبد الوهاب من تلك المؤسسة إدارياً مع دفعة ضمت السيدين يحيى ولد منكوس ومولاي امحمدْ، «فلبس بذلة السلطات الإدارية، لكنه لم يمارس تلك الوظيفة على الصعيد الميداني، لأن الرئيس المختار عينه فورَ عودته مديراً للإذاعة الوطنية»، وظل في هذا المنصب حتى عام 1967. وكانت سنواته على رأس الإذاعة سنوات ثرية مليئة بالطموح والإلهام، كما وصفها رواد العمل الإذاعي من أمثال الوزير محمد محمود ولد ودادي، الذي يذكر أنه استطاع بحسه المهني المرهف انتقاء أصحاب المواهب وتشجيعهم على الانخراط في العمل الإذاعي بحرفية ونجاح كبيرين.
وأختم بما قالته عنه المرحومة الناها بنت سيدي في مقابلة سبق أن أجريتُها معها: «عبد الوهاب ولد الشيقر كان مديراً للإذاعة وقت التحاقي بها، وإليه يعود الفضل في اكتتابي. كان مثَلي الأعلى في الالتزام الخلقي والمهني، وكنتُ معجبةً به، لأنه لم ينتسب إلى جامعة ولم يجلس في حياته على كراسي التعليم النظامي، لكنه رغم ذلك كان مثقفاً كبيراً، بل كان شخصيةً معجزةً، فهو صحفي ممتاز وباحث متعمق وسياسي محنك، وكان يتقن خمس لغات أجنبية. وعلى هذا الأساس اختير مترجماً خاصاً لرئيس الجمهورية وناطقاً رسمياً باسم الحكومة ومديراً عاماً للإذاعة الوطنية».
من صفحة المدون والمثقف المعروف/ محمد المنى


