ليلة من العذاب والألم في مستشفى الصداقة..

كنت أعتقد، حتى وقت قريب، أن القطاع الصحي في موريتانيا يسير بخطى ثابتة نحو الأفضل، خاصة في ظل الظهور الإعلامي المتكرر لوزير الصحة ومسؤولي القطاع، الذين يؤكدون باستمرار أن المستشفيات، في نواكشوط والولايات الداخلية، أصبحت مجهزة بمختلف الوسائل والمستلزمات الطبية، وأن المرضى يتلقون الرعاية في ظروف لائقة تضمن لهم العلاج الكريم.
غير أن هذه القناعة اهتزت بقوة، بل تحولت إلى صدمة حقيقية، بعد تجربة عشت تفاصيلها ليلة البارحة داخل مستشفى الصداقة، أحد أكبر المستشفيات العمومية في العاصمة، والذي يفترض أن يكون نموذجًا للخدمات الصحية.
بدأت القصة عندما تعرض مريض كنت أرافقه لآلام حادة في المسالك البولية. 

وبعد معاينته من طرف الطبيب المختص، طُلبت له مجموعة من الفحوصات المستعجلة، إلا أن أهمها لم يكن متوفرًا في المستشفى بحجة الضغط على الأجهزة وهشاشتها، ما اضطرنا إلى اللجوء إلى العلاقات والوساطات لإجرائها في مركز القلب.
وبعد ظهور النتائج، أكد الطبيب أن حالة المريض تستدعي تدخلاً جراحيًا عاجلًا، وأمره الجراح بالامتناع عن الطعام والشراب لمدة ست ساعات، تمهيدًا للعملية. 

كان ذلك عند منتصف النهار ، فاعتقدنا أن كل شيء أصبح جاهزًا ،لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
مرّت الساعات، ولم يكن طبيب التخدير حاضرًا، كما لم تكن مواد التخدير متوفرة في الوقت المناسب، وظل المريض يتألم وينتظر ،وعندما حضر طبيب التخدير قرابة الساعة العاشرة ليلًا، ظهرت مفاجأة أخرى؛ إذ طلب توفير القسطرة البولية المزدوجة (Sonde JJ 6/28)، وهي أداة أساسية لا يمكن إجراء العملية دونها.
المؤسف أن هذا المستلزم لم يكن متوفرًا في صيدلية المستشفى، بينما كان البائع الوحيد الذي يوفره في متجر مقابل المستشفى قد أغلق محله وغادر.

انطلقنا في جولة شاقة بين صيدليات العاصمة، وكانت الإجابة واحدة: "هذا المنتج لا يوجد إلا في صيدلية المستشفى."
وخلال ساعات البحث، كان المريض يتألم وقلوب ذويه تكاد تتوقف من الخوف ، بينما كان الجراح وطبيب التخدير ينتظران أمام غرفة العمليات بعد أن استكملا جميع الإجراءات، على أمل العثور على القسطرة.

وبعد عناء طويل، تم العثور على قسطرة من مقاس Sonde JJ 7/28، فاضطر الفريق الطبي إلى استخدامها حتى لا تتأجل العملية إلى موعد آخر، في مشهد يكشف حجم الخلل في توفير أبسط المستلزمات الطبية داخل مستشفى عمومي كبير.

ولم تنتهِ المعاناة عند هذا الحد.
فبعد العملية، نُقل المريض إلى غرفة مكتظة بالمرضى، وكانت أشبه بفرن من شدة الحرارة، بسبب تعطل جهاز التكييف. وأكد المرضى الموجودون بالغرفة أن المكيف معطل منذ فترة طويلة، ولا يعدو كونه جهازًا معلقًا على الجدار دون أي فائدة. ولم يجد مرافقو المرضى حلًا سوى شراء مراوح على نفقتهم الخاصة لتخفيف معاناة ذويهم.


إن ما شاهدته لا ينسجم إطلاقًا مع الصورة الوردية التي يقدمها المسؤولون عن القطاع الصحي في تصريحاتهم الإعلامية. فالمواطن لا يحاكم المسؤولين على الخطابات، وإنما على جودة الخدمات التي يتلقاها داخل المستشفيات.


كما أن ما يتردد عن استبدال عدد كبير من عمال المستشفى بعناصر مقربة من إدارة المؤسسة، وتغليب القرابة على الكفاءة، إن صحّ، فإنه يفرض على الجهات الوصية فتح تحقيق جاد لضمان أن تبقى المؤسسات الصحية فضاءات لخدمة المرضى، لا ساحات للمحسوبية.


إن إصلاح القطاع الصحي لا يتحقق بالمؤتمرات الصحفية ولا بالتصريحات المتفائلة، وإنما بتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وصيانة التجهيزات، واحترام كرامة المرضى، وضمان وجود الكفاءات في مواقع المسؤولية. فهذه هي المعايير التي يقاس بها نجاح أي منظومة صحية، لا عدد الخرجات الإعلامية.

محمد احمد حبيب الله(صحفي)