لم تمر التشكيلة الحكومية الجديدة في ولاية الحوض الشرقي، قبل أسابيع مروراً عادياً، بل فجّرت موجة من الاستياء والخيبة في أوساط واسعة من التكتلات القبلية والفاعلين السياسيين، خصوصاً أولئك الذين ظلوا يراهنون على إعادة ترتيب التمثيل الحكومي بما يعكس وزن الولاية السياسي والاجتماعي، ومساهمتها في دعم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونظامه.
فبدلاً من أن تشكل الحكومة الجديدة فرصة لتصحيح الاختلالات السابقة، وفتح المجال أمام وجوه جديدة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة، جاءت التشكيلة، في نظر كثيرين من أبناء الولاية، مخيبة للآمال، بل أعادت إنتاج الإشكالات نفسها، وعمّقت الشعور بأن الحوض الشرقي لم يحظ بالإنصاف الذي يستحقه، لا من حيث التمثيل العددي، ولا من حيث طبيعة الشخصيات التي وقع عليها الاختيار.
ولعل ما يجعل حالة الاستياء أكثر عمقاً أن الاعتراض لا يتعلق بمجرد تراجع عدد الوزراء المنحدرين من الولاية، وإنما يتجاوز ذلك إلى طبيعة الاختيارات نفسها، ومدى قدرتها على التعبير عن التوازنات السياسية والاجتماعية، واستيعاب مختلف القوى والفاعلين الذين يشكلون المشهد المحلي.
فالمشكلة، بحسب قراءات متداولة في الأوساط السياسية بالولاية، أن بعض الأسماء التي وقع عليها الاختيار لا تحظى بإجماع واسع، بل تشكل موضع خلاف وتحفظ لدى قطاعات معتبرة من الطيف السياسي والقبلي، في وقت كان ينتظر فيه أن تراعي التشكيلة الجديدة خصوصية الولاية، وأن تتجه نحو شخصيات تحظى بقبول أوسع، وتمتلك رصيداً من الحضور السياسي والاجتماعي، فضلاً عن الكفاءة والخبرة اللازمتين لتولي المسؤوليات الحكومية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالحوض الشرقي، بما يضمه من كفاءات وشخصيات سياسية وإدارية وازنة، لم يكن يفتقر إلى الخيارات، ولم تكن إعادة الاعتبار لتمثيله الحكومي تتطلب بالضرورة إعادة تدوير الأسماء نفسها أو الانحياز إلى خيارات مثيرة للخلاف. بل كان بالإمكان استثمار التشكيلة الجديدة لفتح المجال أمام شخصيات أخرى، قادرة على تجسيد قدر أكبر من التوافق، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإعادة الثقة إلى قطاعات تشعر بأنها ظلت خارج حسابات التعيين والتمثيل.
أما أكثر ما أثار خيبة الأمل، فهو تجاوز شخصيات من أبناء الولاية كانت مرشحة لدخول الحكومة لأول مرة، وتمتلك من المؤهلات والحضور ما يجعلها خيارات جدية لتولي حقائب وزارية.
ففي الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة الحالية ضخ دماء جديدة في الجهاز التنفيذي، والاستفادة من الكفاءات القادرة على تقديم أداء مختلف، بدت التشكيلة وكأنها أغلقت الباب أمام هذا التوجه، وكرست منطقاً لا يمنح الاعتبار الكافي للتجديد ولا لتوسيع دائرة المشاركة.
ولم يكن مستغرباً، تبعاً لذلك، أن تتسع دائرة الإحباط لتشمل أطرافاً سياسية واجتماعية كانت تنتظر من التغيير الحكومي إنصافاً طال انتظاره، وفرصة لإعادة الاعتبار لشخصيات ظلت حاضرة في الاستحقاقات السياسية والانتخابية، وفاعلة في التعبئة والتأطير، لكنها لم تجد نفسها ضمن الحسابات الحكومية الجديدة.
واللافت أن الحديث عن تشكيل حكومة جديدة كان قد بدأ مبكراً، ورافقته توقعات واسعة بإمكانية إحداث مراجعة في التمثيل الجهوي والسياسي، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.
غير أن النتيجة جاءت، في نظر كثيرين، بعيدة عن تلك التوقعات، بل إن البعض يرى أن ما حدث لم يكن مجرد إخفاق في استيعاب تطلعات الولاية، وإنما فرصة ضائعة لتصحيح مسار العلاقة بين السلطة المركزية وقواعدها السياسية والاجتماعية في الحوض الشرقي.
خيبة أمل
ومن المهم التمييز هنا بين المطالبة بزيادة حصة الولاية من المناصب الحكومية، وبين الشعور المتنامي لدى بعض داعمي النظام بأن مساهمتهم السياسية لم تقابل بالتقدير والإنصاف المطلوبين.
فالمسألة، وفق هذا المنظور، ليست صراعاً على الحقائب الوزارية، ولا مطالبة بإرضاء التكتلات القبلية على حساب الكفاءة، وإنما تتعلق بمدى احترام التوازنات السياسية، وتقدير الأدوار التي اضطلعت بها مختلف القوى المحلية في دعم المشروع السياسي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
ذلك أن اختزال الحوض الشرقي في عدد محدود من الأسماء، أو التعامل مع تمثيله الحكومي باعتباره ملفاً محسوماً بمجرد تعيين شخصيات تنحدر منه، يتجاهل حقيقة أن الولاية ليست كتلة سياسية أو اجتماعية متجانسة، بل فضاء واسع تتعدد داخله القوى والمرجعيات والتوجهات، وتوجد فيه شخصيات ذات امتدادات سياسية واجتماعية معتبرة، لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها دون أن يترتب على ذلك شعور بالإقصاء.
كما أن الانتماء الجغرافي وحده لا يكفي لضمان الرضا السياسي، إذ لا معنى لتمثيل ولاية واسعة ومتعددة التوجهات بأسماء لا تحظى بقبول قطاعات معتبرة من أبنائها، أو لا تعكس التوازنات التي تشكلت عبر سنوات من العمل السياسي والتعبئة الانتخابية.
إعادة إنتاج الأزمة
إن أخطر ما في هذه التشكيلة ليس فقط ما أفرزته من تراجع في التمثيل الحكومي للحوض الشرقي، بل ما قد تكرسه من انطباع بأن معايير الاختيار لا تستجيب بالضرورة لمتطلبات الكفاءة والتوافق وتجديد النخب، وأن بعض الاعتبارات الضيقة لا تزال تتقدم على حساب البحث عن خيارات أكثر قدرة على جمع الطيف السياسي وتوسيع دائرة الثقة.
وكان يفترض أن تكون الحكومة الجديدة مناسبة لإعادة تقييم تجربة التمثيل السابقة، والاستفادة من الأخطاء التي راكمتها، خصوصاً في ولاية بحجم الحوض الشرقي، التي تتمتع بثقل انتخابي واجتماعي وسياسي لا يمكن الاستهانة به.
لكن ما حدث أعاد طرح أسئلة قديمة حول طبيعة المعايير التي تحكم التعيينات، ومدى حضور الاعتبارات السياسية والجهوية في عملية اختيار الوزراء، وما إذا كانت السلطة تنظر إلى التمثيل باعتباره مجرد توزيع للمناصب، أم باعتباره أداة لبناء الثقة وتكريس الشراكة السياسية.
فالحكومات لا تقاس فقط بعدد الوزراء المنحدرين من هذه الولاية أو تلك، وإنما كذلك بمدى قدرتها على استيعاب الكفاءات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإرسال رسائل سياسية مطمئنة إلى مختلف مكونات المشهد الوطني.
رسالة استياء
إن الرسالة الأبرز التي تعكسها ردود الفعل في الحوض الشرقي هي أن قطاعات واسعة من داعمي النظام لم تعد تنظر إلى التشكيلة الحكومية باعتبارها مجرد تغيير في أسماء الوزراء، بل باعتبارها مؤشراً على موقعها في حسابات السلطة، وعلى مدى الاعتراف بأدوارها السياسية والانتخابية.
وهذا ما يجعل خيبة الأمل الحالية أكثر أهمية من مجرد الاعتراض على تعيين هذا الشخص أو تجاوز ذاك؛ لأنها ترتبط بتراكم شعور لدى بعض الفاعلين بأن حضورهم خلال الاستحقاقات السياسية لا يقابله حضور مماثل في دوائر القرار، وأن مساهمتهم في دعم النظام لا تتحول بالضرورة إلى اعتراف سياسي أو مشاركة فعلية في تحمل المسؤولية.
ولا شك أن استمرار هذا الانطباع من شأنه أن يضعف الحماسة لدى بعض القوى المحلية، ويغذي التنافسات الداخلية، ويعمق المسافة بين السلطة وبعض قواعدها التي كانت تعد من أبرز روافعها السياسية في الولاية.
ومهما يكن من أمر، فإن الحكومة الجديدة لم تنجح، على الأقل في نظر قطاعات واسعة من المشهد السياسي بالحوض الشرقي، في تقديم إجابة مقنعة عن سؤال الإنصاف والتمثيل، بل فتحت الباب أمام تساؤلات أكثر إحراجاً بشأن فلسفة الاختيار ومعايير توزيع المسؤوليات.
فالمشكلة الحقيقية ليست أن الحوض الشرقي يريد وزراء أكثر، وإنما أن أبناءه كانوا ينتظرون حكومة تعترف بثقلهم، وتحترم تنوعهم، وتفتح المجال أمام كفاءاتهم، وتمنح شخصياتهم الوازنة فرصة للمشاركة في إدارة الشأن العام.
أما أن يأتي التغيير الحكومي ليعيد إنتاج الخيارات المثيرة للخلاف، ويتجاوز وجوهاً جديدة مؤهلة، ويقلص التمثيل بدلاً من مراجعته، فذلك لا يمكن اعتباره مجرد خيبة في توزيع المناصب، بل إخفاقاً سياسياً في قراءة تطلعات ولاية ظلت حاضرة بقوة في حسابات النظام الانتخابية.
والأكثر إلحاحاً أمام صناع القرار اليوم ليس البحث عن مبررات لهذه الاختيارات، وإنما فهم الرسالة التي تحملها حالة الاستياء، قبل أن تتحول خيبة الأمل لدى بعض الداعمين إلى قناعة بأن حضورهم مطلوب عند صناديق الاقتراع، لكنه ليس ضرورياً عندما يتعلق الأمر بصناعة القرار وتقاسم المسؤولية، فهل خسر النظام رهان الإنصاف السياسي في الحوض الشرقي؟
نقلا عن موقع ،،صوت،،


