نبذة عن الولي الصالح محمد ولد ميلود وقصته مع الأمير ،،الدان،، ومع المختار ولد داداه

سيَّر وكرامات الأولياء /الرجل الصالح محمد ولد ميلود

ملاحظة: بعض الكلمات والجمل بالحسانية لأن ترجمتها إلى العربية تفقدها جزءا من معناها.

 

من رجالات ،،اتمدّكْ،، اللمتونية الذين بقي ذكرهم في الذاكرة، وتناقلت الألسن أخبارهم جيلا بعد جيل، يبرز اسم الرجل الصالح محمد ولد ميلود، رحمه الله، بما عرف عنه من زهد وورع، وجذب وصلاح، وحكمة نافذة، وحضور مهيب لا تخطئه مجالس الرجال.

كان، رحمه الله، من أكابر الزهاد ومجاهدي النفس في زمانه، واشتهر بجذبه ومشِيه إعلَ غرظو، حتى غدا واحدا من أولئك الرجال الذين لا تختصر سيرتهم في تراجم مكتوبة، وإنما تحفظها المجالس، وتتناقلها الرواية الشعبية، وتبقى طرائفهم شاهدة على شخصياتهم الاستثنائية.

وقيل إنه كان في شبابه يدرس مختصر الشيخ خليل، فلما بلغ قوله في باب النكاح:

««وَحَلَّتْ الأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَة»»

طافه حال، وقال: معناها عن الدنيا والآخرة محرمتيْ جمع، لابد من حدّ يتوالَ لواحدة منهما.

وكانت تلك الخاطرة، فيما يروى، مبتدأ زهده وجذبه، وبداية الطريق الذي جعل من محمد ولد ميلود رجلا مختلفا في نظر معاصريه، عميق النظرة إلى الدنيا، شديد المجاهدة للنفس، كثير التأمل في مصير الإنسان وعاقبة أمره.

وقد رزق محمد ولد ميلود القبول، وهي خصلة لا تنال بمجرد العلم ولا بالجاه، وإنما يهبها الله لمن شاء من عباده. واشتهر، رحمه الله، بالحكمة البالغة، حتى كان كلامه يترك أثرا في نفوس سامعيه.

وكانت له علاقة روحية بالعلامة الشيخ أحمد أبي المعالي، وهو من أعلام عصره، وقد قال عنه قولا بالغ الدلالة:

«ولد ميلود حكيم أخره الله إلى هذا الزمن».

ولعل هذه الشهادة وحدها كافية للدلالة على ما كان للرجل من منزلة في نفوس أهل العلم والمعرفة؛ فالحكمة عند أهلها ليست كثرة الكلام، وإنما إصابة المعنى، ووضع الكلمة في موضعها، والنظر إلى الأشياء من وراء ظواهرها.

وكان محمد ولد ميلود مدرسة قائمة بذاتها في الزهد والورع، حتى إن العلامة الشيخ محمد ولد سيدي يحيى، حفظه الله، كان كثيرا ما يذكره في محاضراته، ويستأنس ببعض قصصه وأخباره، لما تحمله من معان ودلالات، وما تكشف عنه من شخصية قلّ أن تتكرر.

وكان الأمير عبد الرحمن ولد اسويد أحمد، المعروف بالدان، يجله ويكرمه، وله معه قصص طريفة لا تخلو من دلالة على مكانة ولد ميلود عنده، كما تكشف في الوقت نفسه عن سعة صدر الأمير الدان وأريحيته.

ويقال إن الأمير الدان كان يَتْرَاهْ، فيرسل إليه من يأتيه به، وكان ولد ميلود يبلغ عند الدان مبلغا لا يستطيع غيره بلوغه.

ومن طرائفهما أن ولد ميلود جلس ذات مرة أمام خيمة الأمير الدان لاهي إطيّر الماء، فقال له الدان:

«ولد ميلود، بعّد اشوي عن گدّام الخيمه!»

فرد عليه ولد ميلود:

«آها يالدان، متبري منك آنَ عاطيك العافية اتعدل المُبيق، ما گط اسميتكْ، وأنا حدّنِي اتركتْ مندوب، وهو الاستتار».

وذات مرة كان الدان يذكر الله بعد الصلاة ويستغفره، ويكرر:

«لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».

فرد عليه ولد ميلود:

«ألا مزلت منهم».

وكانت كلماته تأتي أحيانا في غاية الاختصار، لكنها تحمل من المعنى والسخرية اللطيفة ما يجعلها أبقى من الكلام الطويل.

وذات مرة سمعه الدان يكرر:

«الحليم، الحليم...»

فقال له:

«ولد ميلود، انت اتكرّر الحليم الحليم، كيف حد شايف أحنش أمالك؟»

فرد عليه ولد ميلود:

«مافوگك انت أحنش أكحل وعينيك حمر».

وهكذا كانت مجالسهما تجمع بين الهيبة والمزاح، وبين الجد والطرافة، في صورة تكشف عن رجل صالح لم يكن الزهد عنده عبوسا ولا انقطاعا عن الناس، وإنما كان الزهد عنده روحا، والحكمة طبعا، وحسن المعشر سجية.

وذات مرة لزمت عشيرته اتمدّكْ ديّة لأهل اسويد أحمد، فحضر أعيانها يحملون الدية إلى الأمير الدان، غير أن الدان تنازل عنها إكراما لهم، فألحوا عليه في قبولها، لكنه رفض.

فقال لهم ولد ميلود:

«خلوها عنكم، إلعاد الدان عاطيها المولانَ يستحق اعليه إل أكثر من ذَ، وإلَ عاد عاطيه للشيطان گط اعطاه أكثر من ذَ».

وكان رحمه الله يقول:

«الصّدگه وابلا أجميل»،

ثم يوزعها على الفقراء، فيجمع بذلك بين القول والعمل، وبين الحث على الصدقة ومباشرة فعل الخير.

وتروى عنه أخبار كثيرة مع الرؤساء والوزراء والأعيان، تدل على أن مكانته لم تكن مقصورة على العامة، بل عرفه أهل السلطة والجاه أيضا.

ومن ذلك أنه في إحدى زيارات الرئيس المختار ولد داداه لولاية لبراكنه بعد الاستقلال، قال له ولد ميلود:

«النصارى امشاو، يغير المسلمين ما جاو».

فضحك منها المختار ولد داداه.

ومن أخباره الطريفة أيضا أنه قدم إلى الخوبة في كيهيدي، فرأى جمعا من الناس يتجمهرون على بابها لأخذ مخصصات شيوخ القبائل، فاعترضه الحارس، وحدثت جلبة، فسأل الحاكم عن أسبابها، فأخبروه بالأمر، فأمر بإدخاله.

فسأله:

«انت شِيخ؟»

قال:

«نعم».

قال:

«شيخ من؟»

فأجاب:

«شيخ راصي».

فدفع له مخصصا، وزاده مبلغا للضيافة.

ومرّ ذات مرة على قوم يقوّمون اعوجاج عروق السدر (إجلّاتن)، ليستعملوها مع الحشيش في معالجة تربة البئر بعد حفرها. وكانت معالجة الاعوجاج تتم بتمرير العود الرطب وتمريغه في لهيب النار المستعرة.

فتنهد وقال:

«سبحان الله، الآن فهمت لماذا العصاة يدخلون النار ويمرغون فيها قبل أن يُدخلوا الجنة».

وهي كلمة تكشف عن تلك النظرة التي كان يحوّل بها مشاهد الحياة اليومية إلى مواعظ وعبر، فيرى في أبسط الأشياء معنى يتجاوز ظاهرها.

ومرّ ذات مرة على قوم ذوي عبث، وهم يهزون سدرة ويأكلون من نبقها، فقال لهم:

«حد ما يسمع إلمُلانَ إخليلو نبگو».

ويروى أن امرأة حادة الطبع أتته تستدين منه بضاعة، فرد عليها:

«آنَ الدّيگه ما انديّنها».

فغضبت وأغلظت له القول، فرد عليها:

«آنَ أبَيت عنها دين، لاهِ اتوگفهالي!»

وروى الشيخ محمد ولد سيدي يحيى، حفظه الله، أنه رأى مرة رجلا يرقص، فسأله:

«يرگص لاش؟»

گالو:

«عربيّ اعطاني دراعة».

گالو:

«حگ، يالْلَّ يرگص! ألا آنَ عربيّ من اخلاگتي يعطيني فادراراريع ؤينعم اعليّ، ؤگام يرگص».

وهكذا تبدو شخصية محمد ولد ميلود، رحمه الله، في الروايات المتناقلة عنه شخصية آسرة متعددة الجوانب: زاهد مجاهد للنفس، حكيم نافذ البصيرة، صاحب قبول، حاضر البديهة، واسع الصدر، شديد التعلق بالخير والصدقة، لا تفارقه الطرافة حتى في أكثر المواقف جدية.

ولعل أجمل ما في سيرته أن زهده لم يعزله عن الناس، وحكمته لم تجعله متكلفا، وصلاحه لم يمنعه من الدعابة، وهيبة شخصيته لم تحل دون أن يكون قريبا من الناس، يفهم لغتهم، ويخاطبهم بلسانهم، ويترك في مجالسهم أثرا لا يزول.

لقد كان محمد ولد ميلود، رحمه الله، واحدا من أولئك الرجال الذين صنعت الأيام من سيرتهم حكاية، وصنعت المجالس من أقوالهم أمثالا، وحفظت الذاكرة الشعبية من طرائفهم ما جعل أسماءهم تبقى حية بعد رحيلهم.

رحم الله ولد ميلود رحمة واسعة، وجزاه عن زهده وورعه وإحسانه خيرا، وأبقى ذكره الطيب بين الناس، فما أحوج الأجيال إلى معرفة سير الرجال الذين كانت حياتهم، قبل أقوالهم، دروسا في الزهد والحكمة وحسن الخلق.

من صفحة عبد العزيز الكناش على الفيسبوك